Saturday, May 24, 2008

تعايش

لم يخطر ببالي أن تتم دعوتي لفعالية ما تشبه ما حضرته،ولم أحدث نفسي بالكتابة عن تفاعلي بعد الحضور،لظروف النت المتعثرة من ناحية،ولكوني لست نشطة كفايةً لأنجز مانفكرت فيه..لكن ربما كنوع من الشكر للفرصة الطيبة،وللفوائد العامة والخاصة التي عادت عليّ من مشاركتي،وأيضًا نوع من الايجابية الناتجة من لقاءي بناس نتشارك اهتمامات وآراء،ولو بعيدًا عن موضوع ماجمعنا.




على أية حال فقد كان حضوري لورشة هارباس للتعايش مع مرض الايدز،فارقًا لي في أكثر من جهة
بداية بصراحة لم يكن الموضوع متخصصًا للغاية كما يبدو من أول وهلة ،بحيث تشعر أنه ربما يتطلب أن تكون أكاديميًا أو فاعلاً في المجتمع المدني لتقوم بالمشاركة..لأن العنوان الذي اندرجت
تحته المحاضرات (وفعاليات الورشة) بشكل عام، كان الايدز وما وراءه
(HIV/AIDS and Byond)
تناولت الورشة أكثر من محور : _الايدز كمرض يمكن التعايش معه،مشاكل المرضى
وتعامل الاعلام مع الظاهرة
_المثلية الجنسية/الادمان/العنف ضد المرأة (كقضايا تمس المصابين
بالايدز)
وصنعه تحليل النص (مرئي/مسموع/مقروء)،والنص الانتحاري والبنائي،وكيفية تمييزه_
-أثر الخطاب الديني،وكيفية استخدامه لخدمة القضية


وعن طريق أكثر الفكرة أن الحد من الاصابة بمرض الايدز،والوقاية منه هو أحد أهداف الأمم المتحدة للألفية
من منظمة منبثقة منها ،تتم معالجة هذا الهدف،ومنظمة هارباس معنية بالجانب الاعلامي،فتمت هذه الورشة بدعوة عدد من المدونين والمبدعين(ضمت مخرجين/ممثلين/اعلامين/صحفيين)،ولست متأكدة إن ضمت فاعلين بالمجتمع المدني،كل المسألة أن التدوين كنوع من الاعلام المستقل،وشكل معين له جمهوره الذي يؤثر ويتأثر ببعضهم البعض من ناحية وبالمجتمع عمومًا من ناحية،أضف الدلال الذي أصبح له من ناحية التغطية الاعلامية في الصحف والفضائيات خصوصًا منذ أحداث الانتخابات/القضاة/كنيسة اسكندرية/الاضراب ..الخ الخ.

وُجِدَ أن معظم الأسباب التي تعوق الحد من المرض في بلداننا العربية هو التعامل معه كعقاب مُستحَق لمرتكبي الفواحش ،وبالتالي بداية من المريض نفسه إذا اكتشف مرضه،مرورًا بمن حوله_بمن فيهم
الطبيب أحيانًا_ وصولاً إلى كل من سيعرف بالاصابة يكون رد الفعل هو الحذر المبالغ فيه، النبذ للمريض،الاحتقار له (على أساس فوبيا انتقال المرض بمجرد التواجد مع هذا المريض في نفس المكان،بينما رد فعل المريض نفسه هو انتكاسة أو انهيار،علاوة على كتمان معرفته بالمرض هذا السبب الأخير وحده سبب لاصابة ثمانين بالمئة من المصابات العربيات بالايدز حيث انتقل إليهن عن طريق أزواجهن!
بالتالي..تضاءلت معوقات العلاج الطبي للايدز،بجانب المعوقات الاجتماعية المترسخة من أفكار /معتقدات/وبالتالي ممارسات لم تتعرض للتمحيص وإعادة النظر وعلى هذا كانت المحاولة لعلاج المشكلة من جانبين :الأول
الوعي بطرق انتقال المرض التي تشمل بخلاف الممارسات الجنسية غير المحمية مع شخص مصاب بالمرض نقل دم ملوث،استخدام الابر لأكثر من مستخدم واحد ،من الأم المصابة
، لابنها (سواء عن طريق الرحم،أو عن طريق الرضاعة
الثاني،التوعية بحق العلاج للمصاب (أيًا كانت طريقة اصابته)،لأنه من ناحية
لايحق لنا القيام بالعقاب بأي شكل،فهذا اختصاص إلهي،ومن ناحية أخرى فعليًا معظم المصابين لم يكن انتقال المرض إليهم عن طريق ممارسات جنسية ما،وإنما عن طريق دم ملوث،أو ممارسة (شرعية) مع مصاب لايعلم بإصابته غالبًا ،أو يُخفي إصابته،ثم لا تُغفل الأطفال المنقولة إليهم الإصابة دون ذنب!
توجد نقطة خاصة مهمة ، علاج مشكلة الوصم الخاصة بمصابي الايدز ،تشمل التوعية بأن المجتمعات الأكثر عرضة للإصابة بالمرض (والمنبوذة من المجتمع لأسباب أخلاقية) كالمدمنين،والعاملين بالجنس التجاري،والمسجونين الجنائيين وما إلى ذلك ،لاينبغي أن يكونوا قنبلة موقوتة تنشر المرض،القصد تحجيم المشكلة بفحصهم المتكرر،وتيسير علاجهم،ووقايتهم،لأجل الصالح العام على الأقل.
* * *
أكثر من أثر بحضوره فينا هي (عائشة)،وعن نفسي استدعت فيّ معاني الشجاعة،والصبر
على بساطتها الجميلة،وبقدر تقبلها لقدرها ،ولإصابتها،وبقدر بساطتها وهي تقول: "أنا متعايشة مع الايدز من عشر سنوات" ،بقدر إكبارها في نفوسنا
نموذج قريب للنفس،بطولتها من بساطتها،ومن إيمانها ،ومن صدقها حتى وهي تقول جوابًا على أحد الأسئلة،أن ما يضايقها أحيانًا كثيرة، بعد أن تحكي حكايتها أن تشعر أن الكل يعرف عنها ،ويحكي،أو يعلق.هي التي كانت تفضل أن تكون الظروف تسمح بألا تكون (مدار أحاديث) ناس في مكان ما.

زولة جميلة والله!
ولولا خشيتي من أن يفسد الكلام السطحي الاحساس لاستفضت.

* * *

أكثر انجاز شعرت به لمنظمة هارباس في خدمة هذه القضية،هو تعاملهم مع القادة والقادات الدينين من المسلمين والمسيحين (والذين يعدون الأكثر نشاطًا بشهادة المنظمة).
احساسي ورؤيتي هذه نتجت من المحاضرة التي ألقاها علينا الشيخ ( ) إمام مسجد النور،والذي يعد أحد القادة الفاعلين بعد الورشة التي قامت بخصوص التعايش مع الايدز والتي ضمت 3آلاف من الديانتين،ثم تلاها مؤتمر القادات الدينيات في طرابلس..وخرج بيانين يدعمان هذا الامر
كيف تم اقناعهم بأن الاصابة ليست بالضرورة عقاب سماوي،وكيف أن التعاون فيما فيه خدمة الانسان يتجاوز بمعتنقي الديانات المختلفة الخلافات العقائدية.
ثم إن الأمر كان يشمل بالطبع جمعهم بخبراء في المجال الطبي،وبأناس متعايشين.
باختصار الفكرة،والعمق،والمعالجة..ثم فعالية القادة الدينين بعدها التي تمكنهم من مواكبة مشاكل عصرية بطريقة صحيحة،لا قولبية.بالإضافة لانتباه المنظمة لأهميتهم في التغيير الفعلي..كل هذا أعجبني،وأثر فيّ، ويستدعي في أفكارًا إيجابية كثيرة.
* * *

على الجانب الشخصي،كان حضور هذه الورشة مميزًا لي،قابلتُ فيها وتحدثت مع د/أسامة القفاش، وكان هذا وحده شيئًا أحببته جدًا.
تعاملت مع بنتين جميلتين للغاية،خففا عني الكثير من الحرج والقوقعة الشخصية،وساعداني من حيث لا يدريان..كثيرًا كثيرًا.
ولن أنسى المساعدات التي قدمها لي شريف عبدالعزيز وصفاء أحمد..امتنان عميق ،يكفي الجهد المتواصل خلال أيام الورشة (وقبلها طبعًا)

أما لقاءي بالناس التي كنا نعرف بعضنا كأسماء على الشاشة وانطباعات في ذهني،فقد كنتُ فعلاً سعيدة بلقائهم..ليست مجرد سعادة (هبلة)،ولكن الناس بشرية وأبسط في الطبيعة غالبًا .
أضف لقاءي بأناس أعتبرهم من (ناسي) بطريق الصدفة الجميلة.
وأناس أنا من أشد المعجبين بموهبتهم،فصرت معجبة محبة لهم شخصيًا.

(لن أعدد أسماءً ما،كنوع من الأنانية بأن أحتفظ بمخزون الفرح هذا لنفسي)
* * *

من الداخل كان الأمر أشبه بإلقاء حجر في بركة ساكنة ،مازالت دوائرها تتوالد فيّ.
من الخارج يبدو أنه كلما (خزنت) أفكارًا لم تفحصها،وتغربلها كل فترة،كلما اتسعت داخلك مخاوف بدائية،تدفعك لردود أفعال عنيفة أحيانًا.
أُثبِتَ لي،أن الفارق بين القول والفعل، وبين الفكرة والتطبيق ،فقط أن تبدأ.


Monday, March 03, 2008

شوارد

لا أعرف إلى متى سينبغي ملاحقة ماينبغي عمله أو ما أريد عمله خلال وقت محدد جدًا وضيق جدًا
ربما تراكم الغبار على قدرتي التحليق بجناحات مادتها أو واسطتها الكلمات

كنتُ منذ عامين وأكثر آتي هنا،لأسجل شيئًا من طيران أو نزول..من تحليق أو مشي
كنت أملك الوقت كله..
أو أنني كنتُ مقتنعة بهذا،وكان هذا زيفًا،لأن عدم تحديدي لما يجب وما لايجب..اختزلني لمجرد مؤدية لما يجب عمله،علني أتدارك وأعوض مافات مني.

لست نادمةً على اختياراتي الاصعب في الدراسة وفي الحياة
ربما ليس عن شجاعة أنني لست نادمة،فقط يبدو الأمر كتطبيق لما تعلمتُه

ها..هل يمكن في سبع دقائق تلخيصي هنا؟
ياللسخرية الفَكهةِ الرحيمة!

على أن الدخول بقوانيني..والكتابة وأنت تجري..قبل أن يُغلَق الجهاز..لن يمنعني أن أهرول وألهث هنا..
أن أسجل ما سأطالعه بحنين يومًا

أو ربما لأتذكر ما كنته في لحظة أجيدُ اخفاءها
قد تطالعها عيونٌ لكنها لن تتذكرها طويلاً

وهذا عادل في زواله،وعادل في نفسه
طالما أنا سديم

أو ما سأكتشفه لاحقا.

Tuesday, February 12, 2008

تسجيل لحظة ثمينة

فقط أشكر زائري

وهذا الموج من النغم ومناهدة السيارات مع الطريق العجوز

وكونكان الساحر على أنه مازال يكتب (شكرًا لله أنه يكتب)

وهذه اللحظة التي أُتيحت لي لأطالع بعضًا من متعي الصغيرة

وكل من تبسم في وجه صفحتي

أو من سمح لعطره بالفواح

علي أن أعود
.



Thursday, November 15, 2007

رؤية

بينما أنت يا "نضال" تقرأ في كتاب عن الجهاد في سبيل الله ،متمددًا على السرير ،يُظلك السقف ،رأيتَ نفسك فوق مستوى الكتاب وتحت مستوى السقف،متمددًا على سرير يظله السقف الأبيض وبجوارك كتاب عن الجهاد في سبيل الله،ميتًا.

كانت الشمس التي سيطرت على الدنيا قد غيرت من لون الأشياء في الغرفة ،وأبوك الذي يمرُّ بباب الغرفة الذي أنتَ فيها ميتًا على السرير الذي يظله البياض ،تسقط يدك على كتابٍ عنوانه "الجهاد في سبيل الله".

وبينما أختُك محمرةَ العينين من نوم معجون بالكوابيس تمشي في الممر الطويل لتدخل الغرفةَ التي تفضح النهار ،تركَ هامدًا على فراشكَ،تتدلى ترهلات الجسد الذي أحرقه احتراق الأسئلة بينما يدكَ التي حطّتْ على كتاب الجهاد،باردةً، فصرخَتْ.

وبينما الصرخة تتخبط في حيطان الغرفة ترتد في السقف العالي الذي فوق الأرض التي غصتَ فيها لما كان في يدك كتاب الجهاد الذي سقطت يدك عليه لما مِتَّ
وبينما االصرخةتتخبط في حيطان الغرفة تنعكس في الظلمة التي سقطت حينها على سريركَ بينما تشاهد نفسك
ميتًا،فتتجمع أشعة الشمس تفضح الخفايا قنبلةَ ضياءٍ ،تنفجر في الرؤية فتختفي ،تنفجر في أذنكَ فتسمع نداءً _أنْ عُـدْ يا نضال_،تنفجر في عينيك فتنفتحا في وجه بياض السقف ،بينما يدك تتحسس الكتاب.

Friday, November 09, 2007

ولادة

سنرمي في سلة المهملات
ادعاءاتنا الفارغة
بأننا أغنيا بـ(الحب)
نشتري به حريتنا.
سنركلُ ذواتنا المنتفخة
كبالونات مذعورة
تنفجرُ عند ملامسة
أول دبـوس!
سنتفلُ في وجه القصيدة
ثلاثـًا
ونستعيذُ من أي نور بعيدٍ
يراودُ
هزيمتنــا.
سنشربُ من هذا الغثيان
حتى التقلص
بعدها ..ربما
يضمنا النورُ
وبعد غمستين في ماء طهورٍ
سنستـفيقُ
عن (نحن) الذين نعرفهم!

Wednesday, July 04, 2007

22

سـ أمُر
قد يكون مرورًا وقد يكون عبورًا

في وجه الضباب والمجهول الآتي
وأمام أيامٍ ماضيات عزيزات وذليلات

وسيتجاهلونني جميعًا
وسيدير اليوم الذي هربت منه وجهه _متظاهرًا أنه لايراني_لكيلا يلقي عليّ السلام

وسأقف قليلاً أمام جمع الأيام اللعوب التي دبرنا (معًا)فيها مقالب محبة للرفاق..
سأقف علّهم يشركونني في الحديث

لكنهم سيواصلون الثرثرة والتدبير لأناس آخرين ألمع بريقًا مني..وسأشعر أني كمٌّ مهمل
فأنسحب بهدوء
_متجاهلةً أنني لم أكن على خط الدائرة..وأنني كنت خارجًا أنتظر الترحيب والضم_
وسأرفع رأسي ،وأنظر من علّ كأميرة
لأفرد رأسي _أيَضًا_
لأخفي ألمي _أيضًا_ من ضربة على القفا الذي يستطيلُ
ويستطيلُ
.

Friday, April 13, 2007

أسامة

سأستغل الإضافات الجديدة التي أتاحها العم جوجل من إضافة ملف فيديو بدلالة البحث..لأعرض كل فترة فيلمًا أو مقطع فيديو شاهدته وأثار انتباهي..

ولقد أنشأت شاشة عرض في قائمتي الجانبية

عمومًا لقد انتهيت لتوي من مشاهدة فيلم أسامة كاملاً على جوجل فيديو ،وعلمت أنه أول فيلم أفغاني بعد سقوط حركة طالبان،وقد مولته إيران،وقد جعل هذا الأمر الفيلم عرضة للتفسير بأن ماعرضه من ظلم وتعسف ضد المرأة تضمن مبالغات شديدة
بصراحة - شخصيًا- لا أستبعد المبالغات،على معرفتي كم الفقر،والذل،والظروف العسيرة ومن أشخاص أفغانين عايشتهم منذ حوالي عشر سنين مضت.

لكن الفيلم في حد ذاته مثير للاهتمام على بساطته،وقد حاز على جائزة الجولدن جلوب،وهو اخراج صدقي برمك
أشكر المصادفة التي قادتني إليه
-
:ملحوظات
YouTube يوجد على موقع الـ#
..مجزءًا على 8 أجزاء
موقع الفيلم هنا##

حيث أني حي

التبرير نوع من جدل الأحياء بخصوص أنهم أحياء،ولأي درجة
***

كتب لي جدي يومًا : "اقرأي ماينفعك،واكتبي ماينفع الناس"..وإنني أتذكر هذا على فترات متباعدة ،تنبثق الجملة كسحابة
دخان خفيفة تغريني بالالتزام بها،ثم ما تلبث أن تتبدد ،أو أتبدد أنا تجاهها لعدم إحساسي أنني أستطيع الالتزام بها بالضبط.

القراءة ستظل ممارسة وتفصيلة تتعدى كونها إجابة لسؤال تعارفي محفوظ هو : ماهواياتك؟
تخللها في حياتي يرجع لكونها بديلاً عن وسائل ترفيهية كثيرة،ومكافئًا للنضج،حيث أتشبه بالكبار (أمي وأبي)،ومكافأة في حد ذاتها،لو أثبتِ حسن سلوكك خلال الأسبوع سيحضر لكِ بابا كتابًا جديدًا..

القراءة صداقتي الحميمة وعالمي الذي أجوب في مناطقه البكر،ومناطقي أنا التي لم أفهمها تمامًا،منتهى الحرية ،والانطلاق..وبعض ما أقرأه يعتبر سري لارتباطه بأحداث وأماكن وأوقات معينة يكسبها حميمية لن يفهمها إلا من يقترب مني بصدق..وحب..وتسامح.

اكتبي
لا أذكر أن أحدًا قالها لي قبل جدي..أو لم أسجلها على أنها الأولى ،إلا للمكانة الخاصة التي كنت أكنها له.
جدي بمكتبته الضخمة والتي هي ثروته والتي حولت جدران منزل جدتي إلى صفوف وصفوف تتراص عليها الكتب رصًا،غرفة الصالون محاطة بأرفف بمساحة الجدران الأربعة عرضًا ..وطولاً تتفاوت من متر إلى نصف المتر..أتذكر بوضوح مرات محاولتنا أرشفة المكتبة التي لم تكتمل واحدة بحيث تغطي التجديدات في العناوين،السبب الأساسي لمحاولة الأرشفة هو عدم تكرار عناوين ما،أو محاولة ايجاد طريقة لاخراج عنوان معين عند الحاجة إليه..طبعًا الصالون لأنه يعتبر مكتب جدي فله مكانة خاصة في ذهني،هناك الغرفة التي كانت لخالي،والتي أصبحت رسميًا غرفة المكتبة..حيث لا تظهر الجدر أساسًا..بينما بطول الغرفة يوجد مكتبة أسفلها دواليب مغلقة وأعلاها رفوف زجاجية..في الطرقة(الممر)الضيقة الموصلة لغرفة النوم يغطى جدار واحد من السقف إلى الأرض بأرفف تتراص فيها الكتب وأحفظ تصنيفها جيدًا..في الشرفة (البلكونة أو الفراندا أيًا كان مسماهاعلى شكل لـ) نفس الكلام في الداخل حيث الضلع الأطول،وفي الضلع الأقصر المطل على الشارع تغطي الجزء الأعلى من الجدار.

قد لايفيد أحدًا ذكر التفاصيل الدقيقة لاتساع مكتبة جدي..وإن كان هذا يشكل جزءً سعيدًا مني،أيضًا تلميحه أنه سيوصي إلي بعدد ضخم من كتبه أو بمسئولية مكتبته التي يريد أن يفتحها بعد ذلك للمهتمين -بعد حياة طويلة إن شاء الله-كان شيئًا يشبه الإشادة بك وسط جمع غفير من البشر ..وسام.

جدي كان يكتب ويخطب
يكتب كتبًا سياسية،أو ماله علاقة بشكل ما بالسياسة..كنت أناقشه،وأهتم كثيرًا جدًا بما يكتب،وإن لم أقرأه يومًا بشكل كامل،لم يعرف بطريقة ما أنني لم أقرأ كتبه كاملة،ربما للنقاشات الطويلة،وربما لأنني غالبًا ما أعرف عن موضوع الكتاب وهو في طور الكتابة..

!
بصراحة ما أردت قوله،مخالف لما استطردتُ فيه
أردت نفي كوني أكتب (سواء الكتابات الأدبية..أو تدويني) رغبة في كسب اعجاب،أو تثبيت ذكري بين العالمين،أو لذاتي بمعنى لمتعتي الشخصية البحتة،

بدأ تفكيري في الموضوع بشكل مكثف،ربما بدأ بشكل دفاعي مع تدوينة نور التي مع خصوصيتها عممت أحكامًا معينة لم يقصد بها أحدًا بعينه ،بطريقته الصريحة والصادقة والجذابة نقل مايراه بعينه..توازى هذا مع تفاعلي مع تدوينة أصل الحكاية لـ نِدا

تفاعلي مع ما أقرأ يميل للتطرف أحيانًا على اختلاف رد فعلي الظاهر،كل مافعلته التدوينتان هو إثارة زوبعة في رأسي لأفكار ماورائية لدي تدفعني أحيانًا لأساليب دفاعية عند التحدث في الأمر،أو الصمت لأنني (أحس) و (أفهم ما أحس) مُجزءً ،مبعثرًا يستعصي على الترتيب والتعبير.


ثم جاء الجميل بورخس في محاضراته (صنعة الشعر) ليرتب ويربط بين أفكاري المبعثرة
الكتابة نوع من التعاون،هذا يعني أن القارئ يُسهم في الكتاب
وهذا معناه بالنسبة لي عندما أتمنى تعليقًا أو نقدًا،ومازال سؤالي الأساسي لوقت قريب لمن قرأ لي (هل أتحسن؟) قاصدة أن أظل على مستوى جمالي معين أرتفع فيه ،ولا أنخفض..لكن هذا ضمن ما شلّ قدرتي على الكتابة أو اقدامي عليها بانسيابية لعام تقريبًا مضى..

المفترض فيما أراه الآن،أنه لا مقياس سوى الصدق(عكسه الافتعال)،والابداع (بمعنى انشاء روابط جديدة بين الاشياء/اللعب)،والاخلاص في نقل رؤيتك لأن لك أن تتأكد أن كل منا مختلف عن الآخر،ولو تشابهنا في العنوان فمؤكد تفاصيلي ليس لها نفس رائحة ومذاق تفاصيلك..وهذا هو الأمر

إذن التفاعل في حالة مابعد الكتابة أمر له مردود مبهج على الكاتب -غالبًا- ومفيد،لكن أهميته تختلف باختلاف الكُتاب ،باختلاف نظرتهم لمدى هذه الأهمية..ولترتيب أولوياتهم.

أعتقد أن تعليقي أهمية عظمى على رأي الآخرين فيما أكتب كان يشوبه خلل معين..فحيث كوني أرى أنه طالما كان المكتوب لايخصك بعد عرضه ،فللقارئ حق عليك ..هذا أثر على مركبتي في البحر..فبعد أن كانت تنساب بحرية حيث تهوى،أصبحت تسير نصف مترللشمال وربع متر للغرب توقفت في النصف..مع حركات طفيفة تجاه هنا وهناك

الفكرة في الكتابة أصلاً..أنها نوع من التثبيت للحظات وشعورات وأفكار
لأنه كثيرًا ما تشعر بكل هذا في وقته حقيقيًا جدًا،فإذا انتهت لحظته أصبح ذكرى أو أثرًا أو حلمًا أو لونًا في فوضى هادئة تنتابك في لحظات (السَرَحان)

وبالنسبة إلي أيضًا ..الكتابة نوع من التخفف
أحيانًا تثقلني بعض الأحداث،أو تلح بشكل يشعرني من داخلي بنوع من الثقل
أحب دومًا أن أكون حرة من أي قيد أستطيع كسره،وأرى أن الثبات في أي وضع وأي حالة نوع من الموت
وأكره أن أموت وأنا مازلت أتنفس.

أما عن اللغة فبالفعل لغة الأمس تخالف اليوم كما تحدث محمود عزت .وقد تجد أنت المعنى بالعامية وقد أجدها أنا في الفصحى،وكما قال كونكان أثناء تعليقه على محمود أنه ربما سيكون هناك شروح للغتنا التي نراها الآن بسيطة أو عامية..هذا عامل زمني ليس بيدنا

مازال يوجد من يفضل قراءة المعلقات ويراها درة الأدب،ومن يتطرف للغة الفصحى البسيطة ،أو للعامية،أو أو..القصد أنه ستظل الأذواق تختلف،وماسيتبقى هو ماسيسمح بتفاعل بين القارئ والمكتوب تفاعلاً غير مرتبط بارتباط المكتوب بمجرد تعبيره عن ظروف زمنية ضيقة ،أو نظرة محددة بقدر صدق العمل وفرادته وربما أصالته.

شعوري بالضآلة عمومًا لا أعبر عنه بالكتابة،بقدر ما أقاومه بالكتابة،ربما عن طريق تثبيته وسط الكلمات التي ستثير شيئًا ما -أيًا كان حجمه-عند من سيقرأه عداي،وهذا التفاعل الحتمي الموجود دليل كافي على (الحياة)..لكن بمنتهى الصراحة أخجل لأقصى حدود الخجل من مناقشة علنية مفتوحة لشئ كتبته،ربما لطبيعتي الباطنية،ولعدم تعودي التعامل دون مرحلة أو مراحل من (الستائر)الفاصلة..هناك مسافة دومًا في أي تفاعل مع الناس
في الكتابة المسافة بيني وبين المكتوب معدومة..حتى لو كانت أفكارًا لا تستمد قوامها من أحداث،ففعل الكتابة لدي أكثر فعل حميمي تقريبًا

(طبعا أقصد الكتابة الإبداعية غالبًا) أذكر أن أول ماكتبت من شعر كان في احدى سنوات الاعدادية لصديقة أحبها كنا على خلاف..في نفس الفترة كان كلما حرتُ في شعور كتبتُ مايشبه الشعر أو خواطر قصصية على استحياء وأريتها صاحب الشأن بصمت

ربما لهذا جذور تعود لطريقة النشأة وعدم وجود أصدقاء حميمين في الصغر..لكنه لم يشكل أي مشكلة أبدًا،كان بطبيعية حلاً بديلاً..تقول أمي: إذا لم تستطيعي افهامي لمَ فعلتِ ذلك..اكتبي،ويقول أبي: كوني صريحة..وإذا لم تستطيعي وأنتِ تنظرين لوجهي..اكتبي

وهكذا كان الأمر.

لذلك عندما أكتب ،ويطلعني أحد على رأيه،فإنني بالطبع أهتم،لأنني أحاول أن (أفهم)..أفهمني،وأفهمه،وأفهم الأمر،ولأنني أحاول أن (أرى) ليس بعيني فهذا ماكتبت،بل بعينه (هو) كيف يرى..حينها تتسع الرؤية،وتتسع الخيارات المطروحة لأي أمر،ولأي فكرة،هذا يشعرني بالثراء وبالبهجة وبالحرية.


ولأن الكتابة نوع من التثبيت أو الترسيخ لما ولمن ليس صفته كذلك،فهي تساعد في الإمساك بعدة عناصر،تُكسب تلك الأشياء (الأحداث والأفكار والمشاعر) قدرًا من الواقعية،من التوثيق .

يختلف الأمر من شخص لشخص طبعًا..لكن عني،فالكتابة نوع من (المُدخلات) و(المخرجات) الأساسية في تعاملي مع الحياة،ولأنني مع التشعب اللانهائي للأشياء وهلامية اليوم الذي يأكل الأيام السابقة ليجعلها (سابقة) أحتاج لما يذكرني أنني كنت خلاف اللحظة التي أنا فيها..
إن كانت خفيفة فقد كنت ثقيلة من قبل،وإن كانت ثقيلة فقد تخففت منها يومًا.

عندما تكتب انسَ نفسك ،حاول نقل الحلم وحسب
هكذا قال بورخس،وهكذا سأحاول ..
سيظل ماكتبت هو نوع من التهدئة لفوضاي،نوع من التقاطع مع آخرين،نوع من الدفاع عن التعميم الكاسح أو القولبة،نوع من إظهار وجهة نظر قد تتوازى أو تتقاطع معك أنت (بالذات)،أو حتى تتجاوزك..لكنها ستكون كرمية الزهر في لعبة الطاولة ،أنا رميت هذه المرة ،وأنت سترمي المرة التي تليها ،وآخر وآخر وآخرون كثيرون سيأتي عليهم الدور حتمًا.