الأربعاء، فبراير 17، 2010

اختر جحيمك !

تقريبًا كانت هذه أول رواية أقتنيها لهذا الكاتب،بخلاف القصص القصيرة المتناثرة في المجموعات المختارة.ربما جذبني عنوانها.

فكرة أن تستأجر محققًا ليتابع زوجها الذي يخونها مع امرأة أخرى،ثم عدم اهتمامها بمتابعة زوجها،وطلبها من المحقق -الذي يجهل هوية مستأجره- أن يراقبها هي -بدت لي فكرة غريبة،مثيرة للانتباه ومفهومة في نفس الوقت.
ربما نحن نحتاج لما/لمن يؤكد وجودنا عندما نكون في حالة (التيه) ،أو عندما لانستطيع الإحساس بوجود حقيقي أو ملموس لأنفسنا.

في الرواية "إيلينا" البطلة -سمتها أمها بهذا الاسم لأنه اسم قرينتها المُتخيلة في السر،والبطلة نفسها شخصية حساسة لاتضع حدًا بين أحلامها وآرائها المنطقية التي تمليها الحياة الواقعية-مما أصابها بحالة من الكآبة المتزايدة والانفصال عن الواقع العملي..أو بمعنى آخر فإنه مع الوقت أخذت المسافة بين تفاعلات البطلة النفسية الداخلية ،وتفاعلاتها مع الآخرين والعالم تزيد وتزيد حتى أحست في النهاية أنها بحاجة لشخصية جديدة تنسجم فيها مع نفسها أكثر،لتصبح أكثر تناغمًا في احساسها بالعالم الخارجي.الرواية تدور في مرحلة التحول هذه.
في وصف مياس لعلاقتها بأخيها يقول:
"ظل أخوها بعض الوقت في المنزل،لكن محاولات كليهما في التواصل باءت بالفشل.كان الأمر كما لو أنهما منذ زمن بعيد كانا ينتميان لنفس الوطن،لكن الحياة شتتهما مجبرة إياهما على اكتساب ملامح وعادات أو تصرفات غريبة حولتهما إلى آخرَيْن دون أن يصلا بذلك إلى فقدان الذاكرة لما كانا عليه. ولكن هذه الذاكرة ليس لها فائدة سوى أنها تغذي ضمير الفقدا والتأكيد على استحالة استعادة عادات الوطن الأول،حيث كانا يملكان سمات قادرة على استحضار عالم خاص،أرض مشتركة كان التبادل فيها ممكنًا."
***

تبدأ الرواية بوصف دقيق لكيفية استقبال إيلينا لخبر موت والدتها،ومحاولاتها لكسر القشرة الصلبة التي تجعل من تفاعلها مع خبر محزن كهذا شيئًا عفويًا بدلاً من هذه اللامبالاة الصلدة ،حيث أن رد فعلها كان فيه من التصنع والافتعال المُرهِق الكثير..
ثم اكتشافها ليوميات -غير مؤرخة- لوالدتها في نفس العمر التي هي فيه (البطلة).،واكتشافها أن أمها قد مرت تقريبًا بنفس مشاعرها ،أو حالتها الوجدانية، لكأن إيلينا بالفعل تبدو كقرينة فعلية لوالدتها لكن في زمن آخر،لكن قرينة موازية لمسيرة والدتها أكثر منها متقاطعة معها.

زوج إيلينا العملي،المتورط في أعمال مشبوهة أو (ملتوية)،له وجهة نظر مختلفة،مبنية على تصور محدد للحياة،على أرضية صلبة من العملية..على أفكار لجلب المال واستخدام المال والاستمتاع بهذا المال..على اعتقاد أنه لو تخلى عن الأفكار لتبقت المثاليات،وأنت تعرف ماذا يمكن أن تفعل المثاليات !-كما كان يخاطبها-..كأن في الالتزام بالمثاليات بؤس ما يهرب منه،وبانغماسه فيما وجده حلاً له،صارت المثاليات ترفًا يترفع عنه..أو شيئًا خارجيًا لا يحاول إقحامه في حياته.

عندما ألمحت له بما تعرف من دخوله في أعمال مشبوهة بقولها "أرى أن الفساد صار جزءًا من الأنظمة" شرح قائلاً :
"الذي تسمينه فساد يُشكل جزءًا من كل الأنظمة،كلها ..
بل أكثر من ذلك،لو لم يكن الفساد موجودًا ماعملت الأنظمة. المهم هو معرفة بأي جزء من النظام يوجد الفساد ،والتحكم فيه لكي لا ينمو أكثر مما تستطيع كل مؤسسة أن تتحمله.ولكن بصفة عامة،وانطلاقًا من مستويات معروفة من المسئولية،الفساد ليس فقط أمر غير سئ،بل إنه أمر مرغوب فيه .التفكير في العكس على أحسن تقدير هو سذاجة." (!)

ربما في أفلام كـ "The Lord Of War" أو "International" ..طُرحت فكرة كهذه،لكن على نطاق الدول،و الأسلحة..ربما زوج إيلينا هو التطبيق العملي للفكرة على مستوى الفرد الواحد الذي هو بذرة الفكرة عندما تكبر وتصبح مؤسسية ومتشعبة لدرجة تجعل تصور أنها خارجة عن التحكم واضطرارية أسهل من فكرة أنه من الممكن على أشخاص عاديين أن يتبنوها أو يعتقدوا فيها.

هذا الاعتراف لم يصعق إيلينا لأنها طبقت وجهة نظر زوجها على جسدها الذي تصف خلال الرواية علاقتها به (بالجسد) والمشاكل الصحية التي بالتأكيد هي نتاج صراعها النفسي،لا لسبب عضوي .
أسقطت إيلينا اعتراف زوجها بخصوص الفساد على فساد (أو مرض) جسدها،ومن قبلها جسد والدتها،التي كانت تخفي ذلك ،بل تحاول منْطقة-جعله منطقيًا- المفهوم وتبريره تبعًا لمفهوم زوجها ،أنه ربما هذا الفساد في جسد والدتها الذي أظهر نفسه على هيئة ورم في الصدر،ربما أنقذها من أمراض طفيلية ذات خطورة أكبر.

إيلينا، طيلة الرواية تحاول التحرر من مواجهة نفسها بالحشيش وأنواع المسكرات ..إلا أنه لا مناص من المواجهة،ربما لأن الهروب آخره تعب يجعل من المواجهة هو الدواء الوحيد.


في احدى نوبات اكتئابها هذه ،وبعد الانغماس في الهرب بالمسكرات وما إلى ذلك..يسألها زوجها انريكي: 
"-ماالذي يؤلمك الآن؟
-لا يؤلمني شئ،الأمر ببساطة أنك تتحدث إلى شخص يحيا في الجحيم ،وأنت لم تنتبه لذلك بعد.
-كلنا نحيا في جحيم ما يا إيلينا،كلنا،ولكننا لانجعل أحدًا يدفع ثمن أعمالنا.أتعلمين لماذا؟ لأن كل واحد منا يختار جحيمه الخاص ،ذلك الجحيم الذي يجد نفسه فيه أكثر راحة .أعلم أنكِ أحيانًا تحتقرين حبي للمال ،وأنكِ بعيدة تمام البعد عن أعمالي (..)لكني بفضل تلك الأعمال أستطيع أن أغطي تكاليف الأجحمة (أو الجحيمات-جمع جحيم-) التي أريدها،ولا أسير هنا وهناك أحكي للناس عن مآسيّ.
مايحدث لك هو أنكِ  مازلتِ تجهلين في أي جحيم تريدين أن تحيي.تأكدي منه ،خذي الوقت الذي تحتاجين،وعندما تعرفينه أخبريني به.
(...)".
***
أخذت المسافة تكبر،أو تزيد وضوحًا خصوصًا بعد أن عرفت البطلة بحمل ابنتها التي لم تخبرها لأنها لم تجد وقتًا لذلك..كانت قد عرفت من أخيها الذي كان يحاول أن ينبهها لغفلتها التي هي فيها محاولاً مساعدتها.
زوجها صب مشاعره في الوليد المنتظر،بينما سرّع مثل هذا الخبر لها اختيار حياتها الجديدة،التي مالبثت أن نفذتها بأن أخذت شقة مستقلة بعيدًا لتتصالح مع الجميع،أو مع نفسها بالمعنى الأدق..ولتموت وحيدة بعد تحررت من تلك القشرة ومن عدم الانسجام مع نفسها.

" (..) وديعةُ هي دقات ساعة البندول مثل دوار الفراغ الذي يخرج منه مستقبلي .لدينا الحياة بأكملها أمامنا،لاداعي للاستعجال. (..)ثمة رجلان يتشاجران في الشارع،أمام شرفتي،يشكلان جزءًا من ذلك المجتمع ،من تلك الماكينة التي يظهر فيها إنريكي زوجي،بشكل جيد جدًا.يعيشون داخل كابوس يشعرون فيه أنهم خلاقون.عندما يستيقظون من ذلك الحلم،سأكون سبقتهم بحياة.
فجأة سطعت الشمس بشكل لا أستطيع معه الرؤية .من النافذة يدخل ضوءٌ يغشي الأبصار وأبيض مثل ضوء حمام الفندق. في منتصف ذلك الضوء ،قريبًا جدًا،ستتجسد الشمس بشكل مظلم وجميل مثل شكل الشيطان ،ولكنها لطيفة وحلوة مثل الشكل الإلهي."

هناك 5 تعليقات:

فيونكات يقول...

7elw awe shar7ak lel rwaya
khaletny asamem a2raha
thanx

محمد إمام يقول...

وصلت لمدونتك عبر موقع Goodreads, واليوم أثناء مطالعتي موضوعاتك القديمة وجدت هذا الموضوع.

أنهيت قراءة هذه الرواية منذ أيام, أعجبتني, خاصة أن معظمها دار داخل نفس إيلينا.

أرى أن إيلينا كانت تبحث عن نفسها داخل الرواية في عدة أماكن, بداية من إدمانها المسكرات, ومراقبتها لزوجها, ثم مراقبتها لنفسها بعينِ آخر, التي فتحت لها أبواب الإطلاع عليها, وساهمت في إظهار التغيرات النفسية التي تطرأ عليها.

رحلة البحث عن ذاتها, ومعايشة وحدتها, لم تنته عند حد جعلها مكتب الرقابة يتابعها, لكنها استكملتها بقراءة مذكرات أمها التي ساعدتها في اكتشاف الكثير من أغوار نفسها المظلمة, باكتشافها الفرق بين الحلم, والحقيقة حين عرفت أن أمها هي التي دست العملة في الرمال.

أيضًا فإن كتابة إيلينا لمذكراتها ساهمت بشكل كبير في جعلها تواجه الحقيقة, فتفك يدها عن العملة, وتواجه الواقع, إلا أنها تخبرنا في النهاية أن الأمل والحلم ما يزال قائمًا, فالمحقق قد أبدى إعجابه بجزر, وشوارع المدينة, وكتب أنها منفصلة عن زوجها إنريكي في أعماله, فهي لا تشبهه, كما أنها لا تشبه أخوها.

عرض متميز :)

سمية ربيع يقول...

عرض رائع للرواية تحياتي عليه
--
أين يمكن أن أجد هذه الرواية؟ لم تصادفني في المكتبات ..

Mist يقول...

فيونكات: شكرًا لكِ.
-
محمد إمام: قراءتك راقتني بالفعل، وأوافقك ..
ويا هلا بكَ هنا،عسى أن تجد في المرات القادمات شيئًا مفيدًا أيضًا.
-
سمية ربيع: أهلاً بكِ :)
تجدين الرواية في أي منفذ من منافذ الهيئة المصرية للكتاب،الرواية ضمن (سلسلة الجوائز)..ستجدين في الوصلة التي ضمنتها تحت عنوان الرواية معلومات عنها وشكل الغلاف -ولو كان التصوير ليس جيدًا كفايةً :)-
http://www.goodreads.com/book/show/7743532

سمية ربيع يقول...

جبت الرواية
قريت الرواية
عشقت الرواية
وقلت لإصحابي
فجابوا الرواية
قروا الرواية
عشقوا الرواية
.
.
.
شُكرا كبيــــــرة بحقّ