الاثنين، سبتمبر 14، 2026

مائة نظرة ونظرة - 2

وصلتني أمس رسالة من صديقة عزيزة داعمة، تأثرت بكلماتها الطيبة..لم أرد بعد، ولم أسارع لشكرها -وأنا ممتنة جدًا يا صديقتي فعلا- بطيئة أنا كسلحفاة في التعبير إن تأثرت، أصبر حتى تخرج الكلمات في محلها.

لكني هنا الآن أتكلم عن شيئين: الصداقة، والأقنعة.

 

أما الصداقة فترتبط ارتباطًا وثيقًا في ذهني بالصدق. صديقتك مرآتك، يُريك الجميل، والقبيح، وما يمكن أن يصبح أجمل.

لا تتأثر علاقتكما بالمسافات، ولا بطول التباعد في اللقاءات. 

والصداقة فيها الأنس والمودة والسمر، وتبادل الحديث الذي يبدو موصولًا لا ينقطع، حتى الصمت بينكما ثمينٌ تذكرانه. 

 

في سنوات المدرسة الإعدادية والثانوية كانت لي صديقة مميزة، تشاركنا كل ما نستطيع، ثمن الجرائد التي نشتريها -نتقاسم الملاحق الإضافية التي تصدر الجمعة والسبت أحيانًا-، نتبادل الكتب، نتشارك حتى كلمة سرالبريد الإلكتروني.

ونشتري العطور -أول عطر نشتريه لأنفسنا من محل (عطور أصفهان)-، نتبادل الأماكن الجديدة لبائعي الصحف، تحكي لي فيلم السهرة بالتفصيل -نكمل الحديث بالكتابة في الحصص المدرسية-، وأحكي لها ما سمعته من مسرحيات على (إذاعة البرنامج الثاني/الثقافي).

 لم يكن لدينا تلفاز، وكان لديهم. واكتشفت الإذاعات بنفسي -كان لدينا راديو كبير الحجم يلتقط إذاعات أكثر من غيره، مكتوب عليه USSR، علمت بالبحث أنه مصنوع في الاتحاد السوفيتي، أحضره أبي من احدى رحلات الحج كما أذكر، اشتراه من أفغان أو احدى الدول التي كانت تحت الاتحاد السوفيتي، وينتهي اسمها بالمقطع (-ستان)، كما أحضر ذات مرة منظارًا أسود أنيقًا، استوليت عليه، وجربته في أماكن كثيرة، أولها شباك غرفتنا.  

لطالما ابتكرنا طرقًا للاستمتاع بوقتنا، والحكي عما نفتقد، والوحيدتين في العالم -طبعا- اللتين يذكرهما زحام مدخل مبنى المدرسة في أوقات معينة بصالة المطار وقت ازدحامه.

أما طريقتنا المعتمدة في قراءة الشعر فهي أن ندع الديوان الذي نقرأ يدلنا على القصائد، كل واحدة تجرب حظها بفتح الكتاب عشوائيًا، أو اختيار رقم ما. نفعلها ونحن جالستين على كراسي المترو، أو على أرضيته. 
 
كنتُ أحبها جدًا، وتحبني. كل حسن الظن من نصيبها. "الكافية الشافية" كما وصف أبي نظرتي لها، كأني أستغني بعلاقتها عمن سواها. اصطحبتها في كل مكان عزيز، وفي بيتي كان لها كل الاستثناءات، بما فيها كعكة عيد ميلاد لها، ونحن "لا نحتفل بأعياد ميلاد" كقاعدة سارية. 
مرت 6 سنوات، تخرجنا من المدرسة، وافترقنا في التخصص، ولحسن الحظ كان سور الجامعة يضمنا. وخارج الجامعة صحبتها في كل الأماكن الجديدة التي نكتشفها. 
بعد عامين من الجامعة، قررت صديقتي قطع العلاقة. فجأة. أخبرتني أنها تفكر في الأمر منذ 9 أشهر، لكني لم أعرف، ولم ألحظ، ربما بالضبط كما لم ألحظ أنها لم تدعني لبيتها ولا مرة واحدة في كل تلك السنين.
 
كم انهرت في الهاتف، وعلا صوتي وأنا أتساءل بحرارة عما فعلتُ، كنت أود أن أحل هذه المشكلة بسرعة، ولا أصدق أن قرارها نهائيًا. وهي مع ردة فعلي أعطتني فرصة -على حد قولها- لأستوعب، وسمحت بشهر -تقريبًا- من المناقشات المؤلمة لأفهم بالتفصيل الممل أني لستُ صديقة جيدة. 
 
أكبر صدمة في حياتي وقتها، بعد موت جدتي -الذي استعددتُ له على الأقل-، لكني وإن جارت علي، لا أستطيع تبرئة نفسي من إيلامها، حتى لو لم أقصد. وحتى وإن جارت علي عزيزة، أحفظ لها اللحظات الثمينة. 
 
والأعزاء يموتون. والمعزّة تموت. دفنتك يا غيمة منذ زمن، ولا أشعر بالحنين. 
 
هأنذي أكتب ما لم أخطط لكتابته. أمارس سلطان الكاتب في امتلاك الرواية. هذا السلطان مخيف إن تظلم، وعظيم إن يكن صوت الحق.
هأنذي أذكرك يا غيمة، وبعد عشرين عامًا أرى بطاقتك كمترجمة أو ربما باحثة في جنيف. هل نلتقي في جنيف يومًا؟ 

ليست هناك تعليقات: