عزيزتي..لعلك بخير
تعرفين أني فتحت هذه المدونة ثانية بسبب رسالتك، وأجمل الرسائل التي تأتي على غير انتظار.
ظننتُ أنني أغلقها لأكتب بجدية أكثر مواضيع متماسكة، وليست مجرد خواطر. وأن المدونات لم تعد الطريقة المثلى للنشر. كما عاودتني تلك الرغبة المتكررة في الاختفاء عن العالمين.
أرسلتِ لي تسألين عن أحوالي، وتفتقدين كتاباتي، فأعدت التفكير، ورأيتُ أنه لا ضيرَ أن تكون المدونة أرشيفًا للحظاتٍ أحب العودة إليها.
احتجتُ من فترة أن أعود لما كتبت قبلًا، ولم أجد ما أبحث عنه على الورق أو في جهازي الحالي. وذاكرتي من ماء، تنحت الصخر الصلب الذي تمر عليه، وتترك أثرها بعدما تجف، لكنها تتحرك باستمرار.
وفكرتُ: ربما تصلُحُ المدونة أن تكونَ متكأً لعابر سبيل. هنا ظلّ وماء، وأثر لعبورٍ فانٍ، قد تجد فيها ما يؤنسك أو يسليك في هذا العالم الشاسع.
**
تسأليني عن حالي. أنظر في حالي فأجدني أفعل كل شيء ولا أهرع للكتابة، رغم أني أعرف أنها مهمة جدًا لي، لكني لا أفسح لها المجال وسط مشغولياتي.
هذا هو الشهر التاسع من انتظامي في الرياضة -والحمدلله-، أريد أن أتم عامًا لأتأكد أنه صار جزءًا من حياتي. لم ينخفض وزني كما رغبت، وجزء منه لأني لا أجيد وزن كل طعام يدخل فمي ليطابق الحسابات الرياضية الافتراضية.
إذا فعلت ذلك بانتظام تنخفض شهيتي حتى أني أفضل ألا آكل أو أثور على كل هذا وآكل بلا زِنَة. سأمت هذه الطريقة، وأعرف ماذا علي ّ أن أفعل، لكني لن أضغط على نفسي الآن. سأستمر، وسأجد طريقة تقنعني وتريحني حتى أصل للصيغة الأصح مع الطعام -والحمدلله على تعدد الطرق الصحيحة-.
لكني ألحظ بين فترة وأخرى ما تغير فيّ: زيادة قدرتي على التحمل، وسرعة الاستشفاء.
عرفتُ هذا بالتجربة، فمثلا أكرمني الله بصعود نصف المسافة في جبل النور، وكنت قد صعدت ثلثه فقط من قبل -هانت :) المرة القادمة نصل للقمة إن شاء الله-.
تمر عليّ لحظات خانقة من فترة لأخرى. بعض آثارٍ لتعلق ما، أو مطاردة ذهنية مستنزفة لما لا ينفع، بعض القلق على أني لن أنجز شيئًا، شكّ في أهمية حياتي كلها أصلا، ضيق بسبب قلة الصبر، وضعف الإيمان. تتبعها لحظات رحمة وانكشاف ترى عيني فيها النعم التي أسبح فيها.
مررتُ بلحظة قوية غمرني هذا الاحساس باليقظة والانتباه لما أملك، كنتُ أمشي على قدميّ، وأحدهما تؤلمني بشدة، لكني أمشي وأجوب الأرض دون مساعدة من أحد.
آكل وأشرب، وأسمع وأرى. وأنامُ وأصحو، أتعلم وأحب التعلم، وأعمل ما أحب وما لا أحب. أرعى بيتي، ورعيتي، عندي قوت يومي وأيام أخرى.
كنتُ عائدة من لقاء صباحي مع صديقة، أفطرنا وتمشينا في الشوارع، وتبادلنا حديثًا طويًلا.
إن لم يكن هذا هو الغِنى، فما الذي يكون؟
***
أخبرتكِ أيضًا بصدور نص لي وسط مجموعة نصوص في كتاب نُشر الشهر الماضي تحت اسم (الفصل الحادي والثلاثون)، هو باكورة إنتاج ورش للكتابة الإبداعية غير التخييلية -وهي وصف للكتابة التي تتناول الواقع بطريقة إبداعية- يديرها مينا ناجي.
شعوري مختلط. قاومت النشر كثيرًا. الكتابة عن موضوع "الحب" هو أمر شائك إن كان المطلوب أن تتكلم عن تجاربك، ومفهومك له، وهو أصلًا دومًا متعلق بآخرين.
ثم إننا عند الكتابة عنه قد ننحبس في مضيق يتناول انجذابنا/عشقنا/حبنا للجنس الآخر، ولا نتحدث عن الحب بمفهومه الواسع. لا أذكر إن كان هذا مقصودًا عندما طُلِب منا ذلك في الورشة، أم أننا جميعًا اتفقنا أن هذه هو الاتجاه الذي نريد تناوله عند الحديث عن الحب.
عندما رجحت قرار النشر أخيرًا، كان الهدف أن أُقدِم على ما أخاف منه بالضبط.
ليس النشر نفسه هو ما أخافه، بل تبعاته لأن الكتابة ذاتية جدًا من ناحية، وبالتالي كاشفة. ومن ناحية أخرى كُتب هذا النص في فترة مضطربة من حياتي، والكتابة الجدية (التي تبدأ بمسودة تطورها على مدار شهر، وتعدلها لمدة شهور بعد ذلك حتى تستنفد طاقتك فيه) جاءت بعد انقطاع دام لعشر سنوات مثلا.
كما أن كواليس كتابته، والقراءات، والتجارب، والمرحلة التي كنت فيها، جعلت النظر لصلاحيته للنشر بعد عامين من كتابته أمرًا صعبًا.
تغيرتُ عن وقت كتابته، وتغيرت نظرتي لما سميته "حبًّا"، وهذا من أسبابي لعدم نشره عندما عُرِضَ عليّ الأمر.
ما مررت به أثناء وبعد الكتابة من الغضب والفقد والتألم فترة لا بأس بها، ثم الاستسلام والندم والمراجعة، ثم رؤية أخرى للأمور، ربما أوضح وأنضج. فلربما نشرت النص كإيماءة لهذه الفترة وهذه التجربة، وفضولًا لكيفية تلقي الآخرين له.
أيضا أعتقد أن النص ضعيف تقنيًا، ومليء بالتقريرية -حسب آراء بعض الخبراء- لكن لا بأس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق