أبكي للأسباب الخاطئة هذه الأيام.
مثلا أبكي لأني لست ذكية ولمَّاحة كما اعتدت/اعتقدت. تفاجأني صعوبة اللغة الجديدة، وبطئي في تحصيلها، وإصراري مع ذلك على أن أحاول ثانية. أدفع من مالي القليل ما يزيد عن نصفه كل شهر لأفعل هذا.
كما "أتوتر" جدًا إذا لم تفهم ابنتي المفاهيم البسيطة بسرعة. أو شعرت أنها ليست "ذكية" بالقدر الكافي. أشعر برعب بدائي، كأنها لن تنجو في هذه الحياة إن لم تكن ذكية و"بسرعة"!
مؤخرًا تفاجأت من رد فعلي المبالغ فيه تجاه الغباء. ليس مجرد كره، ربما نفور، أو...خوف.
ربما لو نبشت في ذاكرتي لوجدت أسبابًا وجيهة لمثل هذه الحالة. وربما كان المبرر ببساطة التجارب وما استنتجته منها، وموقعي من العالم. لم أجد شيئًا يجعلك "مُعتَبَرًا"، "جذَّابًا"، "مهمًا" مثل أن تكون ذكيًا.
قد يهبك الله ذكاءً فطريًا من نوع ما: ذكاء لغوي/منطقي/حركي/عاطفي/حسي/اجتماعي، يجعل تحصيلك في هذا الجانب من نفسك أسرع من غيرك. وقد تزودك التجارب بأنواع من القلق الذي يقرصك من أذنك أو قلبك أو أي مكان حساس يوجعك، حتى لا تكرر ما آلمك.
أشعر أن أخطاءي الفادحة تعود في أغلبها للغباء، أني لم أنتبه لما هو واضح جدًا، ومكرر، ومعروف (لا لا لا! ليس لأني أسلخ نفسي بمعايير في منتهى المثالية ولا حاجة). الغباء أن تتعلم شيئًا، وتسلك سلوكًا عكس ما تعلمت.
نكرر دومًا أن التعلم غير الإدراك. لكننا نغفل عن المسافة بينهما، وعن مستويات الإدراك نفسه.
كل ما نتعلمه بالملاحظة والاستنتاج وبالتلقين، تثبته التجربة وتنفيه، أو تُثبت فيه أشياءً، وتنفي أخرى.
ليس التجربة وحدها التي تثبت ما نتعلمه، بل كل شيء نقرأه ونسمعه ونحسه ونتفاعل معه، بالإضافة لحالة أجسادنا كل يوم، والبيئة التي نعيش فيها، والناس الذين نخالطهم يوميًا، ومن نختار أن ننمي علاقتنا بهم، وأولئك الذين لا نختار أيضًا.
***
اعتقدت لوقت طويل أني ذكية لتفوقي الدراسي، ولأني أحسنت التصرف وأنا طفلة، وأغلب الوقت أثناء الشباب. ربما استمر شعوري بالاطمئنان لذكاءي لأني أفهم أشياء أسرع من غيري ممن أخالطهم، أو أرى روابط وأنماطًا بين أمور تبدو ظاهريا شديدة التباعد.
ثم واجهتُ الواقع والتجارب _وأنا في
منتصف العمر المفترض للآدميين الآن، لي رصيد معتبر من التجارب يمكنني
العودة إليه-.
ما وجدته من هذه المواجهة، أني متوسطة في كل المهارات تقريبا، وفوق المتوسط في مهارات قليلة، وأن ما يحافظ على اتقاد ذكاء المرء في أمر هو عنايته به باستمرار.
وأن السهولة التي حصلّت بها المعلومات وأنا صغيرة، وإن كانت هبة منَّ الله علي بها، كما منَّ بها على آخرين، فإن لها توابع لم أنتبه لها الانتباه الكافي. مثل قلة الصبر على الجهد المطلوب لتفعل أي شيء بإتقان أو إحسان.
الثقة التي يمنحها لك الذكاء، والاحتفاء والمكانة المميزة التي قد يمنحها كونك من الصفوة في فصلك الدراسي، أو الفخر بك من والديك/معلمينك/أصدقاءك/معارفك، قد تستنج بشكل ما أنها حق مُكتسب، أمر مفروغ منه. لكن الحياة تفاجئك بأمور كثيرة جدًا كبيرة عليك، وصعبة الفهم والتنفيذ، وإن نظرت حولك تجد آخرين ينفذونها ويفهمونها بسهولة بالغة. فتشعر أن المشكلة فيك وفي غباءك.
كلما زادت تجاربك الجديدة، والمواضيع الجديدة التي تقرأها، والأماكن الجديدة التي تزورها كلما تفتحت مداركك أكثر، واتسعت رؤيتك.
وبقدر ما يفيدك كل جديد، يفيدك التوقف ومراجعة الماضي بنظرة جديدة. يفيدك الصمت كما يفيدك الكلام. يفيدك السكون كما تفيدك الحركة. والحكمة أن تعرف متى تفعل ماذا.