أعتقد أني سأغلق هذه المدونة التي بلغ عمرها واحدًا وعشرين عامًا.
فكرت في نهايات درامية للمدونة في أوقات درامية في حياتي. كإعلان لموت سديم مثلًا، أو قصصًا تخص ذكرياتي وانطلاقاتي هنا.
أعتقد أني في بداياتي، وقبل أن أعرف الكثير ممن عرفت بعد ذلك، كنت متحررة من التبرير لنفسي، والدفاع عن مظهري ومخبري.
كنتُ حرة أقول ما أريد أن أقوله وكفى. ثم جاء عام 2011 وتبنيتُ مبدأ "اعملي في صمت"، "تعلمي واهضمي تجربتك ثم اكتبي"، فلم أكتب إلا لمامًا عندما يفيض بي، ويضيق صدري، ولا ينطلق لساني. فآتي هنا لأزفر زفرات وأقول كلمتين وأنطلق في حياتي.
ثم بعد 2013 انتقلت لبلد أخرى، ومدينة أخرى بلا معارف أو اجتماعيات. بدأت حياة جديدة مختلفة، اشتقت للكتابة فيها، لكني لم أجرؤ عليها، وظللتُ أشغل نفسي بتعلم كل ما ظننتُ أنه سيعينني على فهم العالم وماحدث ويحدث فيه.
خبرتُ الكثير، وجمعتني الأيام بأناس جدد، ثم فرقتنا كعادتها. وحدثت كورونا 2020 والعزل والفزع العالمي، ثم جاء العام الذي يليه 2021 الذي فقدت صديقتي وأسرتها في حادث جلل أمام عيني. لم يحدث الموت حالا بل أسابيع أقمنا فيها في مدينة لا نعرفها، وفردًا يتلوه آخر يموت ونبحث كيف ندفنه، ومن من أهله سيأتي في ظل استمرار إجراءات العزل ومنع السفر.
لم أمر وحدي بهذا الحادث الجلل، بل مر به بيتي كله.
مواجهة الموت، فزعى من انتصاف ثلاثينياتي ولم أفعل شيئًا ذا بال، وعدم وجود عمل منتظم لعام وأكثر تقريبا، لجأت لتجديد معارفي ومهاراتي، فأخذت ورشًا في الترجمة الطبية والتدقيق وغيرها، وكان أغرب ما أخذت هو دورة في كتابة المحتوى Blogging، وهو ما كنت أفعله أصلا منذ مابدأ التدوين وقبلها في المنتديات، وبينها في مجلات مطبوعة أو منشورة على النت.
كان لدي فضول لأعلم كيف سيتحول التدوين/كتابة المحتوى لحرفة تدّر مالًا. لأجد أن الأمر متعلق بكيف يظهر مقالك المتخصص في نتائج بحث google تحديدًا، لتكتب في موضوع معين مكررًا عنوانه المحدد، وكلماته الرئيسية بشكل معين، تجمعها قواعد الـSEO، لنصبح كلنا عاملين في كجهات إعلانية، حتى المعلومة تُصاغ لتبيع بها منتجًا أو خدمة.
ليس عيبًا..هذا عصرنا، وهذه أدواته. ولن أعيش في دور شهيدة الفن للفن، ومخلصة الروح البشرية من المصالح الرخيصة.
لكني بعد أن أرضيتُ فضولي، لم أجد من يقبلني لأطبق له هذه الألاعيب الظريفة، ويعطيني مالًا مقابلها.
أردت اختبار نفسي فيما اعتدت الاستمتاع به، وهو الكتابة، فدخلت ورشًا لأضع نفسي في جو يلزمني بالكتابة، وأتعلم شيئًا أو شيئين. لأجد نفسي في مواجهة ما لم يُحلّ من قبل، وليتأكد لي عمليًا أن التعلم بدون تطبيق هو نوع من الهروب الآمن.
وهذا يصلح في كل شيء: في الكتابة، في الحب، في العمل. كل مشكلة لم تتجازوها تشكلك بالضبط كتلك التي تواجهها، وعليك التعامل مع تبعاتها. ما العمل إذن؟
قيل لي في الكتابة مثلا: الحل أن تكتبي كل يوم، وتسجلي أفكارك في نوتة، ثم تطورينها.
لم أكتب كل يوم، لأسباب عدة، أولها أني مشتتة، ولأني كلما فزعت ألجأ للتعلم وإغراق نفسي في البحث والتدقيق.
أغرق عقلي بالقراءة والمشاهدة والاستماع حتى لا توجد لحظة غير مستغلة في يومي تقريبا. بعد فترة تعبت ولم يفلح مسعاي في تهدئة خوفي.
إذن فأنا مشتتة لأني خائفة من أني لن أكتب شيئًا جيدًا، ولن أعبر تعبيرا مناسبا عما أريد قوله.
وكما اتفقنا: الشجاعة هي أن تفعل مع الخوف، ورغم الخوف.
فلنبدأ. لأكتب باسمي كما هو (سارة عبدالناصر)، لا باسم مستعار، ولا باسم مختصر، ولا من وراء حجاب. الفناء يطاردنا، والساعة تدق، ولن ينفعنا أن نتحدث مع المستحيل طيلة الوقت في رأسنا، أو نحاول للمرة الألف أن نكون أصدقاء مع من لا يريدون أن يكونوا أصدقائنا.
أكتب لأن لدي ما أقول، ويوجد من يريد الإنصات. ولأني أريد أن أرى ماذا سيحدث إن انتظمت.
ماذا سيحدث إن كتبت بجدية لمدة 100 يوم مثلا؟ وكتبت ملاحظاتي هنا كل فترة (بالإذن من سديم طبعًا).
سأكتب بجدية في ورق ما، وسأكتب هنا الأشياء العجيبة التي لا تهم أحدًا مثل أني شاهدت أخيرًا فيلم المومياء مكتملًا واستمتعت به، وأني أشاهد فيلم المواطن كين، وأعيد اكتشاف ستيفان زفايج، وأن حكاية راحيل عجيبة، وأن المرء يمكن إن استغرق في القراءة أن يُحرّف الحكايات وتصبح حكايته، وأنه بعد كل هذه السنين من القراءة والمشاهدات يكتشف المرء الأنماط الكلية شيئًا فشيئًا، وقد يتجرأ ويقول كما قال بورخيس في مقالته Four cycles أن الحكايات البشرية كلها تقع في أربع أنماط/حبكات.
آه..ماذا تفعل الوحدة في الناس غير تحويلهم كتابًا أو قتلة متسلسلين؟
تساؤل الحلقة:
ماذا يفيد المرء أن يتابع عدّاد قراءه؟ ألا يكفيه أن يخرج ما برأسه؟
علمت أن أرقام عدّاد الأرقام لم يعد دلالة على القراء من البشر، لأن الروبوتات الصغيرة أو شيئًا ما تابعا للذكاء الصناعي ربما يزور المدونات ضمن ما يزور ليتعلم.