الجمعة، أكتوبر 09، 2026

مائة نظرة ونظرة - 8

 


مرض التصلب المتعدد MS هو مرض مناعي، يهاجم فيه الجسم أجزاء من الجهاز العصبي المركزي (المخ والنخاع الشوكي) فيتسبب في تآكل غلاف الميلين الذي حول أعصاب جسدك كلها، فتتسرب الكهرباء التي تنتقل عبرالأعصاب، لتشعر بها مباشرة في أماكن في جسمك، أو يتسبب في خلل وظيفي تتحكم فيه المنطقة المصابة في مخك أو نخاعك الشوكي، فيمكن أن تُصاب بهجمة تُفقدك البصر في احدى العينين (لأنها أصابت العصب البصري)، أو تفقدك التحكم في أحد أطرافك، وغير ذلك.

يتشابه المصابون بهذا المرض في بعض الأعراض، ويختلفون في بعضها، لكن مجموع أعراض كل مصاب تجعل مرضه يبدو فريدًا. يفقد بعضهم التحكم في حركتهم تدريجيًا دون هجمات، بينما يتقلب آخرون بين أيام هادئة، وأيام صاخبة العنف تصيبهم فيها هجمات المرض الذي يأكل في هجمته حاسة ما، أو قدرة جسدية ما..وفي المنتصف أيام فيها قدرمحتمل أو غير محتمل من الكهرباء وما يشبه الإغماءات.

لا علاج ناجع لهذا المرض حتى الآن، هو مرض تتعايش مع كالسكري من النوع الأول مثلًا. فتضل مراقبًا طيلة الوقت لنمط حياتك تضبطه ليكون صحيًا في طعامك ومزاج، وحذرًا من التعرض للحرارة الشديدة. 

ما تتناوله من دواء يوميًا عبارة عن مجموعة من الفيتامينات، ومثبطات المناعة (لأن المفارقة هنا إن قويت مناعتك قويت هجماتها على جسمك)، ومن فترة لأخرى قد تخضع لجرعات كيماوية تغنيك عن الإبر كل يوم.

***

استوعبت هذه المعلومات تدريجيًا عبر عشر سنوات، رأيت آثارها على ثلاثة أفراد على الأقل منهما اثنان ضمن دائرتي القريبة، لذا عايشتها بطريقة مختلفة. ورغم أن المرء ليس بوسعه سوى الدعم والانتباه، والرعاية التي يستطيع حسب دوره وقربه، فإني لا يسعني إلا أن ألاحظ من حول هذا المريض، متى يكفي الحب ومتى لا يكفي، ومتى لا يوجد أصلًا.

في مثل هذه الحالات غير المتوقعة من العجز، قد يدفعك الواجب كأن تكون أبًا/أمًّا/ابنًا/ابنة/أخًا/ أختًا للمساعدة: توفير الغذاء والدواء، ومتابعة مواعيد الأطباء والتحاليل الطبية، والذهاب لمواعيد العلاج الطبيعي..إلى جانب مراعاة الجانب النفسي. أليس المرض -أيّا كان- فرصة لإثبات الحب وتحويله لأفعال حقيقية تترجم مشاعر العطف والرعاية، والخوف على المحبوب والمحافظة عليه؟ وفوق كل شيء أليس المرض نافذة لدخول الرحمة؟

مع طول مدة الابتلاء، والضغط المستمر يصبح الأمر كله اختبارًا حقيقيًا لقوة النفس، واتساع القلب، وقوة التحمل. من يُصاب بهذا المرض يجب أن يحذر من ارتفاع درجة الحرارة كما يحذر من ارتفاع توتره، أو ازدياد ضغطه النفسي، لأن نتائج التعرض لهذا ملموس وفوري أحيانًا.

*** 

تقول سارة شاهين: في يقيني أن الحب هو الانتباه والفحص والدراسة.


رأيتُ أسرة تتناوب على حراسة النوافذ والأبواب ليلًا ونهارًا؛ لأن ابنتهم المبتلاة وسط هجمة لذلك المرض، وإحساسها بالكهرباء في كامل جسمها لأيام، وصلت لقناعة أن الله سيغفر لها إن قتلت نفسها.

وامرأة يدفعها زوجها على كرسيها المتحرك بنفاد صبر وعجلة، يفعل كل ما يتطلبه دوره كزوج في توفير ما تحتاج إليه، لكنه توقف عن النظر إليها، والاستماع لها، ألغت كل جلسات العلاج الطبيعي فترة طويلة كيلا تثقل عليه، وكيلا يدفعها دون أن يسمعها ويراها.
تراقب رجلها تموت، وتراقب الحب يختفي.

 يميل المرء للبحث عن شيء/شخص يلومه أو يصب عليه خلاصة مشاعره السيئة ربما يستطيع بعدها أن يرتاح من ثقلها، لذا فقد كرهت جفاء هذا الزوج، وجفاف محبته، ثم ساءلتُ نفسي. ما أدراني أنا التي لا أعيش يوميًا مع هذه المرأة وهذه الصعوبات عن أي شيء؟

لا  أعرف كيف عاشت زوجة أيوب مع مرضه، وكيف صبرت؟ 

عرفت كيف صبر أيوب -عليه السلام-، لكن هل عرفت الصبر نفسه؟

الخميس، أكتوبر 08، 2026

مائة نظرة ونظرة - 7

أريد الحديث عن الفراغ والجفاء!

أما الفراغ فهو كلمة تشير إلى المسافة بين شيئين، وهو ضد الامتلاء.

صغارًا  تعلمنا أن الهوايات مكانها وقت الفراغ -أي الفراغ من الشغل بالمهام الضرورية للحياة أو التي يقتضيها دورنا في الحياة-. كما تعلمنا من العارفين بالله كيف تستغل كل فراغ في ذكر الله وتسبيحه، تبدأ بذلك ككل فعل تريده قاصدًا منتبهًا، ثم مع التكرار يصيرعادةً لا تنتبه أنك تفعلها. 

والفراغ احدى نعمتين مغبون فيهما كثير من الناس، أي مخدوع فيهما، وغافل عن قدرهما كثير من الناس-وأنا منهم، لعلي أتدارك ذلك-. 

لفت نظري كيف يستغل إيكو كل فراغ في وقته ليكتب، وهو الباحث والأستاذ الجامعي في علم السيميائيات، والذي كتب أول رواية له في الخمسين من عمره

يقول إيكو: "ثمة كثير من الفراغ بين الذرّة والأخرى، وبين الإلكترون والآخر، لو استطعنا أن نقلّص مادة الكون بإلغاء الفراغات كافة التي تفصل بين الأجرام، لبدا الكون كلّه في حجم كرة. حياتنا أيضاً مليئة بتلك الفراغات. حين أعوم في المسبح تأتيني أفكار كثيرة، خصوصاً حين أعوم في البحر، بينما لا تأتيني أفكار كثيرة في مغطس الحمّام مثلاً لضيق المساحة."

لاحظت تأثير السباحة هذا، كما تأثير المشي لمسافات طويلة.. هذا المجهود المنتظم الذي تسير فيه طويلا في براح ما، ينظم الأفكار، ويعطي عقلك المساحة اللازمة للبيان.   

*** 

في الناحية الأخرى يرى (رينيه جيرار) الإنسان كائنًا مفتقدًا لهوية ذاتية ثابتة تحدد رغباته؛ إنه "فراغ وجودي" يبحث عن الامتلاء عبر تقليد رغبات الآخرين. أي أنه يُفرّق بين الحاجات الفطرية للإنسان (أول درجة سفلى من درجات مثلث ماسلو تقريبا)، وبين الرغبات (وهو بقية هرم ماسلو أو كل ما له علاقة برغبات الإنسان وسط مجموعة).


 فبمجرد تلبية الاحتياجات البيولوجية الأساسية، والدخول في العالم الإنساني والثقافي، تختفي الأصالة تماماً -حسب جيرار-. وتصبح كل رغبة نفسية (السعي وراء المجد، السلطة، الحب الرومانسي، الأناقة، التميز) هي رغبة محاكاتية بالضرورة.

وعليه فهو يفرّق بين الاحتياج والرغبة، ويرى الرغبة محاكاة لها ثلاثة أطراف: الراغب Subject، والمرغوب فيه (موضوع الرغبة)Object ، والنموذج أو الوسيط (الشخص الذي يملك/يفعل ما ترغب فيه) Mediator. 

وإن كنا في مجتمع يرغب بعضه فيما لدى البعض الآخر، ويتنافسون في هذا، فالعنف نتيجة طبيعة لهذه الرغبات، ومن فترة لأخرى يمكن تصريف هذا العنف في أُضحية أو كبش فداء. وبشكل ما يرى جيرار أن هذه هي فكرة (التضحية) التي قدمتها الأديان، أي توجيه العنف المنتشر بين المتنافسين نحو هدف آمن.

 يفسر جيرار مشاعر الكره، والحسد، والغيرة باستخدام هذا المثلث. 
 
وفي مثلث الرغبة هذا تحدد المسافة بين الراغب والوسيط شكل العلاقة بينهما. المسافة هنا يمكن أن تكون مادية أو معنوية، يعني هل يشعر الراغب أن الوسيط ند ويمكن أن يكون مكانه، أم مختلف تماما وبعيد عن حياته تماما.
إن رأى الراغب المسافة بينه وبين الوسيط قريبة ظهر التنافس والعنف، وإن رآها بعيدة كانت علاقته بالوسيط علاقة المريد بالشيخ، أو استلهم منه موضوع الرغبة/ما يرغب أن يكونه أو يصل إليه.
 
أجد هذه النظرية ملهمة ومهمة، واستخدم بعض الساسة ورجال الأعمال الكبار ما تقدمه هذه الفكرة في بناء "نماذج محاكاة" أو التسويق لنماذج معينة تحفز رغبتك في الاحتذاء بها وتقليدها، بغية زيادة الأرباح، أو كوسيلة سيطرة على السوق. 
 
مازلت في بداية تعرفي على هذه النظرية، ولدي فضول عن تطبيقاتها، لذا يبدو أني قد أعود للحديث عنها لاحقًا.
*** 

وبعد الفراغ كمعنى، والفراغ الوجودي، هناك فراغ القلب كما في "فأصبح فؤاد أم موسى فارغًا"، والتي فُسِّرَت بأن القلب أصبح خاليًا من الهموم ومشاغل الدنيا، إلا عن التفكير في موسى، أو هو كما ذهاب اللبّ أي ذهاب العقل من شدة الجزع والدهش!

ولقد رأيت هذا بعيني هاتين مرات محدودة أدعو ألا تتكرر، آخرها هذا الأسبوع حيث احتاج طفل صديقتي لأن تُنقذ حياته بفتح جمجمته، بلا مقدمات طويلة.

هذا عن الفراغ، أما الجفاء - يا رعاك الله- فأمر آخر فيه مسافات، وانفصال، وانعزال بين اثنين ما الحب ثالثهما!  

الاثنين، سبتمبر 28، 2026

مائة نظرة ونظرة - 6

متاهة بورخيس في البندقية

 حديقة "متاهة بورخيس" صممها المعماري الإنجليزي راندولف كوت 

 

لا أذكر أول نص قرأته لبورخيس. لكني أذكر أني فُتنت به جدًا. إنسان يفيض عذوبة وامتنانًا للنعم. قرأت محاضرته عن العمى مؤخرًا، وتذكرت، وتجدد حبي لأدبه.
أعتقد أن أول مرة قرأت له قصة ضمن قصص لكتاب أمريكا اللاتينية، ومن بعدها صار كل كتاب يحوي اسمه لا بد أن يُقتنى، ويُلتَهم.
 
نصوصه بوابات عوالم لا تنتهي. يكتب الشعر ويحاضر فيه، ويؤكد أن تعريفه صعب، إلا أنه يرى أهمية الغموض والجمال، والتجربة لا الصنعة أو التلاعب بالكلمات دون داعٍ، بل ما يهم أن تستطيع مشاركة الدهشة والمتعة مع القاريء.
 
وبورخيس موسوعي يحيلك لكثير من الأعمال العظيمة، ويدخلك متاهات الكون الفسيح، وكلما اتضح لك جزء من الحصة، تجد نفسك في قصة أخرى.
تأثره واضح بألف ليلة وليلة، وبعض الأدبيات الصوفية مثل (منطق الطير) للعطار. وروحه المرحة المبدعة تجعلك تتقبل المقالب الأدبية التي يوقعك فيها بصدر رحب.
يكتب مراجعات نقدية، وبحوث أكاديمية، ومقالات موسوعية عن كتب، وأشخاص، بل وحضارات كاملة اخترعها اختراعًا، لكنها مكتوبة بطريقة محبوكة خدعت حتى أصدقاءه وبعض القراء في البحث عن تلك الكتب المُتخيلة. 
 
لا يمكنك أن تنسى "الدنو من المعتصم"..يخبرك في الهامش  "المعتصم هو ثامن الخلفاء العباسيين، الذي انتصر في ثماني معارك، وأنجب ثمانية ذكور، وثماني إناث، وحكم ثمانية أعوام..." فتصدق على المعلومة التاريخية، ثم يجرك في القصة لعالم آخر محتمل. 
 
ولا يمكنك نسيان قصة "الألف"، أو بالطبع "حديقة المسارات المتشعبة"، والمتاهات.
أو كيف يستخدم مجاز قصة "برج بابل" اللاهوتية، حيث تشتت الألسن وتعددت اللغات، ليكتب قصة مثل "مكتبة بابل" حيث  "الكون (الذي يسميه الآخرون المكتبة) يتألف من عدد غير محدد، وربما لانهائي، من الحجرات السداسية الزوايا" ويصف لك التيه الذي يقع فيه البشر وسط هذا العدد المهول من الحروب والتراكيب باحثين عن سطر واحد مفهوم. 

أو خذ قصة كـ"يانصيب بابل" الذي لا يسعك إلا أن تتذكرها عندما تشاهد مسلسلًا مثل Severance  
***
Jorge Luis Borges
خورخي لويي بورخيس
 
هذه الفترة ووسط كل شيء أنتزع سويعات أقرأ فيها (اسم الوردة) لإمبرتو إيكو-كاتب محبوب آخر-، والتي هي تحية محبة طويلة لبورخيس، وللغة، وللعلامات والإشارات (السيميائيات كما يقولون)، وللقرون الوسطى. 
 
أكتب ملاحظات على الكتاب، وخارج الكتاب، وأحمد الله أني أعود للقراءة بشغف كما كنت في طفولتي والشباب.
ربما لم أجد بعد صيغة ترضيني فيما أكتب. ولكني عازمة على الاستمرار. ربما سأكسب حُسن التعبير مع الاستمرار، وربما أكسب الأُنس بالكتب والكُتّاب.

الأحد، سبتمبر 20، 2026

مائة نظرة ونظرة - 5

 اشتقت للشعر، قراءة وكتابة.

لم أكتب في حياتي شعرًا -أو ما يقترب من الشعر- إلا في أيام كنت مشحونة فيها عاطفيًا. كأنها طريقتي لتصريف هذا الانفعال الجارف، أو تلك الحيرة العظيمة تجاه أمر ما. 

لم أفلت فترة من اعتبار أن الشعر أصله الشعر الموزون المُقفى. لكني أول ما كتبت كان يبدو كشعر التفعيلة، ربما موزونًا مسجوعًا، ثم صرت أهتم للموسيقى الظاهرة للكلمات معًا.

لم أتعمق في علم العَرُوض، ولا في قراءة الشعر الجاهلي مثلًا. ظل هذا هو معيار الشاعر الجاد الخفي في نفسي، لكني لم أطبقه أبدًا. 

ظللت أفزع للشعر كلما ضاق صدري ولم ينطلق لساني، لذا فما كتبته متفاوت في جودته بين ما يبدو مرمزًا للغاية، وما هو صورة وجدانية واضحة. 

ثم علمت أن الشعر هو "لحظة شعورية/وجدانية مكثفة"، وأنه صورة كلامية، لها موسيقاها الداخلية. يستطيع الشاعر أن يتحكم في شكل عرض كلمات قصيدته، وشكل الأسطر، كما يتحكم في الوقفات عند القراءة المسموعة. 

يصعب تعريف الشعر، لكن يسهل تمييزه وإن اختبأ وسط غيره من أنواع الأدب والفنون.

***


لسنوات طوال احتفظت بعمل طويل لشاعر اسمه (روبرتو خواروث) بعنوان "الشعر هويتي". صحبني في أماكن كثيرة، وقرأتها مرارًا..وكتبت مقطعًا له في ورقة ووضعته في محفظتي:

هناك لحظة

نتحرر فيها من سيرتنا

فنهجر هذا الظل المثبط للعزيمة

هذا التصنع الذي هو الماضي

يجب ألا يستخدم المرء بعد 

صيغة الذات البائسة هذه

ولا محاولة متابعة انتصاراته

ولا النواح في المفارق


هجران السيرة

وتجاهل التواريخ الخاصة 

يعني تخفيف حمل السفر

او كمثل تعليق اطار فارغ على الحائط

حتى لا يتعب أي منظر من الثبات فيه

 

كانت تثير خيالي، وأسلو بها وأنا تحت ضغط الدراسة، ثم رحلة البحث عن عمل بعد الجامعة. وكانت تذكرني ببورخيس، وأنا أحب بورخيس وما يمثله: القاريء الموسوعي، أمين مكتبة العالم، الذي عندما فقد بصره لم يفقد بصيرته.

لذا وبعيدًا عن شعر الحكمة، والمعري، والمتنبي وغيرهم ممن لا تبلى كلامتهم بمرور الزمن ..كنت أذهب لشعره. 

وهو عجيب  لم يعنون دواوينه، بل كان ينشرها كلها تحت اسم (شعر)، ويكتب المقاطع مفصولة بأرقام. كأنها موسيقى. والموسيقى هو فن استخدام الزمن.  

الجمعة، سبتمبر 18، 2026

مائة نظرة ونظرة - 4

 أجلّتُ كل شيء أستطيع تأجيله لأجل امتحان ما الأسبوع الماضي، أجلّت كل شيء تقريبًا إلا موعد نادي الكتاب الأسبوعي، وبصراحة فأنا فخورة أني فعلت ذلك. ساعتان ثمينتان في الأسبوع..حلال عليّ والله!

نتيجة الامتحان جاءت مؤسفة. لقد اجتهدت ولم أنجح. أُحبطتُ قليلًا، لكني انتقلت لما ينبغي فعله الأيام القادمة، وما يمكن أن يجعلني أنتقل للمرحلة التي تليها.

لم يكن هذا الانتقال من الوقوع للنهوض، ومن الإحباط للعزم على الوصول بهذه السلاسة من قبل. سنوات طويلة، ووقعات كثيرة، حتى وصلنا هنا..والحمدلله.

ومع قبولي للأمر الواقع، أجد نفسي في ظلام الإحساس بالفشل. ربما لأني لا أنتج شيئًا، ولا أقبض مالًا بشكل منتظم. ولم أثبت في سلك مهني منذ تخرجت. 

 ***

لا يمكنني الإفلات من قياس نجاحي وفشلي كإنسانة بإنجازاتي وإنتاجيتي، رغم أني عقليًا مقتنعة تمامًا أني كإنسان أكبر من هذا. 

لكن كلما أحسستُ بالضغط عاد لي الإحساس بالفشل. أين مهنتك؟ أين بيتك الدائم؟ أين مشاريعك؟ أين كتبك؟ أين أولادك؟ (بالمرّة)

يتحدث معي أبي، فيدعو لي بأولاد غير بنتي الوحيدة، تتحدث معي أمي فتسألني عما أنجزتُ في كذا وكذا؟ أتعلم لغة جديدة ..فتعلمني المعلمة كيف أصف كينونتي بأني (لا أعمل) -أقول في نفسي لكني أعمل أعمالًا كل يوم!-

الحقيقة لمدة 3 أعوام أنا (ربة منزل) بالتسمية الكلاسيكية، أستيقظ قبل الجميع، أحضر الإفطار، وأتأكد من جاهزية كل فرد قبل خروجه من المنزل، أطبخ الطعام، أغسل الأطباق، أغسل الغسيل، أنشره، أطبقه، أعيده لأماكنه، أنظف الغرف، أكنسها، أمسحها، أضع خططًا للإمداد والتموين، وللاجتماع مع أصدقاء الأسرة، أذاكر مع ابنتي دروسها، ننام، أستيقظ قبل الجميع...وهكذا دواليك.

أقتنص ساعات لنفسي: أقرأ، أكتب، أذاكر، أتمرن..ولا يشعرني هذا أني أفعل شيئًا، طالما لا يوجد مقابل مادي، وطالما لا يوجد مبرر لجلوسي بلا عمل يدر مالا مع إمكانياتي المعقولة. 

أحس بكل كياني بأن هذا مصدره فكرة خاطئة، أو توقع خاطيء. لم أحدد بعد ما هو. لكني أتصرف هذه الفترة بما يريحني وما يتناسب مع طاقتي. وأجاهد كلاعبة خفة في جعل الكرات معلقة طيلة الوقت. 

 Silhouette of a Woman Juggling with Balls at Sunset

أعزو تشتتي إلي كثرة اهتماماتي، وأعزو قلة إنجازي إلى تشتتي. 

ثم أذكّر نفسي أن لا بأس، فقط عليكِ أن تبني العزيمة والإصرار، وتصبري حتي تنهي مشروعًا تلو الآخر.

وهأنذي أحاول هنا في الكتابة لهذا السبب. أغالب ترددي، وتلك الأصوات التي في رأسي التي تخبرني أن الصمت خير من الكلام، وعدم الكتابة خير من كتابة كلام فارغ.  

 ***


من أجمل اللقاءات التي شاهدتها مؤخرًا لقاء الممثل بوب أودينكيرك (شهير بدوره في مسلسل Better Call Saul).
تحدث عن الحياة والإنسان والكوميديا، شخصيته جميلة، أفكاره تدعوه للتأمل وأنت تضحك عند تذكرك لكيفية تعبيره عنها. 

قال أن أجمل فترة في حياته والتي لا تعادلها فترة أخرى هي فترة معايشته لأطفاله منذ وُلدوا حتى السن الذي يتهربون فيه منك. سنين لا تعوض، ولا تطاردك فيها أسئلة الجدوى (ما جدوى حياتي؟)، هي أفضل الأيام لأنك ترى بعينيك وتعايش الحب الصافي، وتطور الإنسان، وهدفك في الحياة واضح: أن تعيش مع هؤلاء الصغار حتى يكبروا، وتعينهم ليسلكوا طريقهم في هذه الحياة.

أرى هذا جميلًا، وحقيقيًا، رغم ثقل مسؤولية تنشئة إنسان. لكنك إن تصبر وتنتبه تسمح للحياة بأن تريك وجوهًا مختلفة لها، لا يحيط التعبير بهم جميعًا. 


 

الخميس، سبتمبر 17، 2026

مائة نظرة ونظرة - 3

تستدعي الكتابة غالبًا أحيانًا المليودراما، والمفارقات، والصدمات، والمكبوتات، والصراع، ولحظات التحول. بينما تُغفِل المتوقع، والمتكرر، والطيب.  

ذاكرتي عجيبة، أو أن الكتابة تنتقي من الذاكرة الأعاجيب.

عندمت كتبت المرة الماضية عن الصداقة، تذكرت موقف صديقتي غيمة التي قررت ذات صباح -بعد عشر سنوات- أننا لن نصبح أصدقاء. ولم أذكر أصدقاءي المخلصين المحبين في كل مكان، الذين دامت صداقتنا عشرين عامًا وأكثر-والحمدلله-، والذين مهما تباعدنا يمكننا استئناف الحكايات من حيث توقفنا.

لم أكتب عن الأصدقاء لعام أو عامين، ثم تفرقنا الظروف، والانتقالات بين البلدان، أو حتى الانتقال لدار الحق. يومًا ما. 

مثل هؤلاء شجر مُعمّر مثمر دائم الخضرة، مديد الظل.

ثم إن من الأصدقاء، من تكون علاقتكما ثابتة، ربما لا تختبرها المواقف، وربما تنقذكما المسافة. ومنهم من تتجدد علاقتكما وتكبر مع تقلبات الزمن. 

*** 

 وأنا أكتب أشعر بزحام من المواقف، والأفكار، والمشاهدات التي تستدعيها الكلمات أو ما أتحدث عنه، ولا أعرف من أين أبدًا بالضبط. هأنذي أواصل الكتابة بعد أن ضبطت نفسي أحاول فهم أفكار (لاكان) الآن. 

الذي استدعاه في ذهني هو أنه يرى أن البنية النفسية تتحرك بين ثلاث مستويات: الواقعي، والرمزي، والتخيلي (المثالي). 

فالمثالي/الخيالي مرتبط بمرحلة المرآة، حين يرى الطفل صورته في المرآة ويربطها بنفسه، ويتماهى معها كصورة متكاملة، رغم أن جسده الفعلي لا يزال مفككاً وغير منسق حركياً. هذا التماهي يؤسس "الأنا"  كبنية وهمية أساساً — أنا مبنية على صورة خارجية، لا على معرفة داخلية حقيقية بالذات. 

التخيلي إذن هو عالم الصور، والتماهيات، والانخداع، والعلاقات الثنائية (أنا-آخر) القائمة على التنافس والعدوانية.

والرمزي فهو  نظام اللغة والقانون والقواعد الاجتماعية التي تولد في سياقها الذات، وتخضع لها، وتتأثر بلغتها (أي ألفاظها التي تستخدمها للتعبير عن نفسها).

أما الواقعي عند لاكان فهو ما يستعصي على المستويين الرمزي والتخيلي. يعني لا يمكن التعبير عنه بالضبط، أو تمثيله، أو دمجه في معنى مُفسِّر، كالجوع الخام، والألم، والصدمة قبل أي تفسير.

ما أريد قوله أنني مهما وصفت وأسهبت فسيبقى هناك ما يستعصي على التعبيرأو التفسير، فربما هذه العودة للذكريات محاولة لتفسيرها.

وكل هذه التعبيرات تخرج بلغة لم أخترعها، لكني أستخدم ما أملك، وأستكشف طرقات هذه اللغة. 

 

 

الاثنين، سبتمبر 14، 2026

مائة نظرة ونظرة - 2

وصلتني أمس رسالة من صديقة عزيزة داعمة، تأثرت بكلماتها الطيبة..لم أرد بعد، ولم أسارع لشكرها -وأنا ممتنة جدًا يا صديقتي فعلا- بطيئة أنا كسلحفاة في التعبير إن تأثرت، أصبر حتى تخرج الكلمات في محلها.

لكني هنا الآن أتكلم عن شيئين: الصداقة، والأقنعة.

 

أما الصداقة فترتبط ارتباطًا وثيقًا في ذهني بالصدق. صديقتك مرآتك، يُريك الجميل، والقبيح، وما يمكن أن يصبح أجمل.

لا تتأثر علاقتكما بالمسافات، ولا بطول التباعد في اللقاءات. 

والصداقة فيها الأنس والمودة والسمر، وتبادل الحديث الذي يبدو موصولًا لا ينقطع، حتى الصمت بينكما ثمينٌ تذكرانه. 

 

في سنوات المدرسة الإعدادية والثانوية كانت لي صديقة مميزة، تشاركنا كل ما نستطيع، ثمن الجرائد التي نشتريها -نتقاسم الملاحق الإضافية التي تصدر الجمعة والسبت أحيانًا-، نتبادل الكتب، نتشارك حتى كلمة سرالبريد الإلكتروني.

ونشتري العطور -أول عطر نشتريه لأنفسنا من محل (عطور أصفهان)-، نتبادل الأماكن الجديدة لبائعي الصحف، تحكي لي فيلم السهرة بالتفصيل -نكمل الحديث بالكتابة في الحصص المدرسية-، وأحكي لها ما سمعته من مسرحيات على (إذاعة البرنامج الثاني/الثقافي).

 لم يكن لدينا تلفاز، وكان لديهم. واكتشفت الإذاعات بنفسي -كان لدينا راديو كبير الحجم يلتقط إذاعات أكثر من غيره، مكتوب عليه USSR، علمت بالبحث أنه مصنوع في الاتحاد السوفيتي، أحضره أبي من احدى رحلات الحج كما أذكر، اشتراه من أفغان أو احدى الدول التي كانت تحت الاتحاد السوفيتي، وينتهي اسمها بالمقطع (-ستان)، كما أحضر ذات مرة منظارًا أسود أنيقًا، استوليت عليه، وجربته في أماكن كثيرة، أولها شباك غرفتنا.  

لطالما ابتكرنا طرقًا للاستمتاع بوقتنا، والحكي عما نفتقد، والوحيدتين في العالم -طبعا- اللتين يذكرهما زحام مدخل مبنى المدرسة في أوقات معينة بصالة المطار وقت ازدحامه.

أما طريقتنا المعتمدة في قراءة الشعر فهي أن ندع الديوان الذي نقرأ يدلنا على القصائد، كل واحدة تجرب حظها بفتح الكتاب عشوائيًا، أو اختيار رقم ما. نفعلها ونحن جالستين على كراسي المترو، أو على أرضيته. 
 
كنتُ أحبها جدًا، وتحبني. كل حسن الظن من نصيبها. "الكافية الشافية" كما وصف أبي نظرتي لها، كأني أستغني بعلاقتها عمن سواها. اصطحبتها في كل مكان عزيز، وفي بيتي كان لها كل الاستثناءات، بما فيها كعكة عيد ميلاد لها، ونحن "لا نحتفل بأعياد ميلاد" كقاعدة سارية. 
مرت 6 سنوات، تخرجنا من المدرسة، وافترقنا في التخصص، ولحسن الحظ كان سور الجامعة يضمنا. وخارج الجامعة صحبتها في كل الأماكن الجديدة التي نكتشفها. 
بعد عامين من الجامعة، قررت صديقتي قطع العلاقة. فجأة. أخبرتني أنها تفكر في الأمر منذ 9 أشهر، لكني لم أعرف، ولم ألحظ، ربما بالضبط كما لم ألحظ أنها لم تدعني لبيتها ولا مرة واحدة في كل تلك السنين.
 
كم انهرت في الهاتف، وعلا صوتي وأنا أتساءل بحرارة عما فعلتُ، كنت أود أن أحل هذه المشكلة بسرعة، ولا أصدق أن قرارها نهائيًا. وهي مع ردة فعلي أعطتني فرصة -على حد قولها- لأستوعب، وسمحت بشهر -تقريبًا- من المناقشات المؤلمة لأفهم بالتفصيل الممل أني لستُ صديقة جيدة. 
 
أكبر صدمة في حياتي وقتها، بعد موت جدتي -الذي استعددتُ له على الأقل-، لكني وإن جارت علي، لا أستطيع تبرئة نفسي من إيلامها، حتى لو لم أقصد. وحتى وإن جارت علي عزيزة، أحفظ لها اللحظات الثمينة. 
 
والأعزاء يموتون. والمعزّة تموت. دفنتك يا غيمة منذ زمن، ولا أشعر بالحنين. 
 
هأنذي أكتب ما لم أخطط لكتابته. أمارس سلطان الكاتب في امتلاك الرواية. هذا السلطان مخيف إن تظلم، وعظيم إن يكن صوت الحق.
هأنذي أذكرك يا غيمة، وبعد عشرين عامًا أرى بطاقتك كمترجمة أو ربما باحثة في جنيف. هل نلتقي في جنيف يومًا؟