مرض التصلب المتعدد MS هو مرض مناعي، يهاجم فيه الجسم أجزاء من الجهاز العصبي المركزي (المخ والنخاع الشوكي) فيتسبب في تآكل غلاف الميلين الذي حول أعصاب جسدك كلها، فتتسرب الكهرباء التي تنتقل عبرالأعصاب، لتشعر بها مباشرة في أماكن في جسمك، أو يتسبب في خلل وظيفي تتحكم فيه المنطقة المصابة في مخك أو نخاعك الشوكي، فيمكن أن تُصاب بهجمة تُفقدك البصر في احدى العينين (لأنها أصابت العصب البصري)، أو تفقدك التحكم في أحد أطرافك، وغير ذلك.
يتشابه المصابون بهذا المرض في بعض الأعراض، ويختلفون في بعضها، لكن مجموع أعراض كل مصاب تجعل مرضه يبدو فريدًا. يفقد بعضهم التحكم في حركتهم تدريجيًا دون هجمات، بينما يتقلب آخرون بين أيام هادئة، وأيام صاخبة العنف تصيبهم فيها هجمات المرض الذي يأكل في هجمته حاسة ما، أو قدرة جسدية ما..وفي المنتصف أيام فيها قدرمحتمل أو غير محتمل من الكهرباء وما يشبه الإغماءات.
لا علاج ناجع لهذا المرض حتى الآن، هو مرض تتعايش مع كالسكري من النوع الأول مثلًا. فتضل مراقبًا طيلة الوقت لنمط حياتك تضبطه ليكون صحيًا في طعامك ومزاج، وحذرًا من التعرض للحرارة الشديدة.
ما تتناوله من دواء يوميًا عبارة عن مجموعة من الفيتامينات، ومثبطات المناعة (لأن المفارقة هنا إن قويت مناعتك قويت هجماتها على جسمك)، ومن فترة لأخرى قد تخضع لجرعات كيماوية تغنيك عن الإبر كل يوم.
***
استوعبت هذه المعلومات تدريجيًا عبر عشر سنوات، رأيت آثارها على ثلاثة أفراد على الأقل منهما اثنان ضمن دائرتي القريبة، لذا عايشتها بطريقة مختلفة. ورغم أن المرء ليس بوسعه سوى الدعم والانتباه، والرعاية التي يستطيع حسب دوره وقربه، فإني لا يسعني إلا أن ألاحظ من حول هذا المريض، متى يكفي الحب ومتى لا يكفي، ومتى لا يوجد أصلًا.
في مثل هذه الحالات غير المتوقعة من العجز، قد يدفعك الواجب كأن تكون أبًا/أمًّا/ابنًا/ابنة/أخًا/ أختًا للمساعدة: توفير الغذاء والدواء، ومتابعة مواعيد الأطباء والتحاليل الطبية، والذهاب لمواعيد العلاج الطبيعي..إلى جانب مراعاة الجانب النفسي. أليس المرض -أيّا كان- فرصة لإثبات الحب وتحويله لأفعال حقيقية تترجم مشاعر العطف والرعاية، والخوف على المحبوب والمحافظة عليه؟ وفوق كل شيء أليس المرض نافذة لدخول الرحمة؟
مع طول مدة الابتلاء، والضغط المستمر يصبح الأمر كله اختبارًا حقيقيًا لقوة النفس، واتساع القلب، وقوة التحمل. من يُصاب بهذا المرض يجب أن يحذر من ارتفاع درجة الحرارة كما يحذر من ارتفاع توتره، أو ازدياد ضغطه النفسي، لأن نتائج التعرض لهذا ملموس وفوري أحيانًا.
***
تقول سارة شاهين: في يقيني أن الحب هو الانتباه والفحص والدراسة.
رأيتُ أسرة تتناوب على حراسة النوافذ والأبواب ليلًا ونهارًا؛ لأن ابنتهم المبتلاة وسط هجمة لذلك المرض، وإحساسها بالكهرباء في كامل جسمها لأيام، وصلت لقناعة أن الله سيغفر لها إن قتلت نفسها.
وامرأة يدفعها زوجها على كرسيها المتحرك بنفاد صبر وعجلة، يفعل كل ما يتطلبه دوره كزوج في توفير ما تحتاج إليه، لكنه توقف عن النظر إليها، والاستماع لها، ألغت كل جلسات العلاج الطبيعي فترة طويلة كيلا تثقل عليه، وكيلا يدفعها دون أن يسمعها ويراها.
تراقب رجلها تموت، وتراقب الحب يختفي.
يميل المرء للبحث عن شيء/شخص يلومه أو يصب عليه خلاصة مشاعره السيئة ربما يستطيع بعدها أن يرتاح من ثقلها، لذا فقد كرهت جفاء هذا الزوج، وجفاف محبته، ثم ساءلتُ نفسي. ما أدراني أنا التي لا أعيش يوميًا مع هذه المرأة وهذه الصعوبات عن أي شيء؟
لا أعرف كيف عاشت زوجة أيوب مع مرضه، وكيف صبرت؟
عرفت كيف صبر أيوب -عليه السلام-، لكن هل عرفت الصبر نفسه؟






