الأحد، فبراير 22، 2026

عزيزتي غلا

عزيزتي..لعلك بخير 

تعرفين أني فتحت هذه المدونة ثانية بسبب رسالتك، وأجمل الرسائل التي تأتي على غير انتظار.
ظننتُ أنني أغلقها لأكتب بجدية أكثر مواضيع متماسكة، وليست مجرد خواطر. وأن المدونات لم تعد الطريقة المثلى للنشر. كما عاودتني تلك الرغبة المتكررة في الاختفاء عن العالمين. 

أرسلتِ لي تسألين عن أحوالي، وتفتقدين كتاباتي، فأعدت التفكير، ورأيتُ أنه لا ضيرَ أن تكون المدونة أرشيفًا للحظاتٍ أحب العودة إليها.

احتجتُ من فترة أن أعود لما كتبت قبلًا، ولم أجد ما أبحث عنه على الورق أو في جهازي الحالي. وذاكرتي من ماء، تنحت الصخر الصلب الذي تمر عليه، وتترك أثرها بعدما تجف، لكنها تتحرك باستمرار. 

وفكرتُ: ربما تصلُحُ المدونة أن تكونَ متكأً لعابر سبيل. هنا ظلّ وماء، وأثر لعبورٍ فانٍ، قد تجد فيها ما يؤنسك أو يسليك في هذا العالم الشاسع. 

**

تسأليني عن حالي. أنظر في حالي فأجدني أفعل كل شيء ولا أهرع للكتابة، رغم أني أعرف أنها مهمة جدًا لي، لكني لا أفسح لها المجال وسط مشغولياتي. 

هذا هو الشهر التاسع من انتظامي في الرياضة -والحمدلله-، أريد أن أتم عامًا لأتأكد أنه صار جزءًا من حياتي. لم ينخفض وزني كما رغبت، وجزء منه لأني لا أجيد وزن كل طعام يدخل فمي ليطابق الحسابات الرياضية الافتراضية. 

إذا فعلت ذلك بانتظام تنخفض شهيتي حتى أني أفضل ألا آكل أو أثور على كل هذا وآكل بلا زِنَة. سأمت هذه الطريقة، وأعرف ماذا علي ّ أن أفعل، لكني لن أضغط على نفسي الآن. سأستمر، وسأجد طريقة تقنعني وتريحني حتى أصل للصيغة الأصح مع الطعام -والحمدلله على تعدد الطرق الصحيحة-.

لكني ألحظ بين فترة وأخرى ما تغير فيّ: زيادة قدرتي على التحمل، وسرعة الاستشفاء. 

عرفتُ هذا بالتجربة، فمثلا أكرمني الله بصعود نصف المسافة في جبل النور، وكنت قد صعدت ثلثه فقط من قبل -هانت :) المرة القادمة نصل للقمة إن شاء الله-.

تمر عليّ لحظات خانقة من فترة لأخرى. بعض آثارٍ لتعلق ما، أو مطاردة ذهنية مستنزفة لما لا ينفع، بعض القلق على أني لن أنجز شيئًا، شكّ في أهمية حياتي كلها أصلا، ضيق بسبب قلة الصبر، وضعف الإيمان. تتبعها لحظات رحمة وانكشاف ترى عيني فيها النعم التي أسبح فيها. 

مررتُ بلحظة قوية غمرني هذا الاحساس باليقظة والانتباه لما أملك، كنتُ أمشي على قدميّ، وأحدهما تؤلمني بشدة، لكني أمشي وأجوب الأرض دون مساعدة من أحد.
آكل وأشرب، وأسمع وأرى. وأنامُ وأصحو، أتعلم وأحب التعلم، وأعمل ما أحب وما لا أحب. أرعى بيتي، ورعيتي، عندي قوت يومي وأيام أخرى. 

كنتُ عائدة من لقاء صباحي مع صديقة، أفطرنا وتمشينا في الشوارع، وتبادلنا حديثًا طويًلا. 

إن لم يكن هذا هو الغِنى، فما الذي يكون؟

*** 

 

أخبرتكِ أيضًا بصدور نص لي وسط مجموعة نصوص في كتاب نُشر الشهر الماضي تحت اسم (الفصل الحادي والثلاثون)، هو باكورة إنتاج ورش للكتابة الإبداعية غير التخييلية -وهي وصف للكتابة التي تتناول الواقع بطريقة إبداعية- يديرها مينا ناجي. 

شعوري مختلط. قاومت النشر كثيرًا. الكتابة عن موضوع "الحب" هو أمر شائك إن كان المطلوب أن تتكلم عن تجاربك، ومفهومك له، وهو أصلًا دومًا متعلق بآخرين.
ثم إننا عند الكتابة عنه قد ننحبس في مضيق يتناول انجذابنا/عشقنا/حبنا للجنس الآخر، ولا نتحدث عن الحب بمفهومه الواسع. لا أذكر إن كان هذا مقصودًا عندما طُلِب منا ذلك في الورشة، أم أننا جميعًا اتفقنا أن هذه هو الاتجاه الذي نريد تناوله عند الحديث عن الحب.

عندما رجحت قرار النشر أخيرًا، كان الهدف أن أُقدِم على ما أخاف منه بالضبط.  

ليس النشر نفسه هو ما أخافه، بل تبعاته لأن الكتابة ذاتية جدًا من ناحية، وبالتالي كاشفة. ومن ناحية أخرى كُتب هذا النص في فترة مضطربة من حياتي، والكتابة الجدية (التي تبدأ بمسودة تطورها على مدار شهر، وتعدلها لمدة شهور بعد ذلك حتى تستنفد طاقتك فيه) جاءت بعد انقطاع دام لعشر سنوات مثلا. 

كما أن كواليس كتابته، والقراءات، والتجارب، والمرحلة التي كنت فيها، جعلت النظر لصلاحيته للنشر بعد عامين من كتابته أمرًا صعبًا. 

تغيرتُ عن وقت كتابته، وتغيرت نظرتي لما سميته "حبًّا"، وهذا من أسبابي لعدم نشره عندما عُرِضَ عليّ الأمر.

ما مررت به أثناء وبعد الكتابة من الغضب والفقد والتألم فترة لا بأس بها، ثم الاستسلام والندم والمراجعة، ثم رؤية أخرى للأمور، ربما أوضح وأنضج. فلربما نشرت النص كإيماءة لهذه الفترة وهذه التجربة، وفضولًا لكيفية تلقي الآخرين له. 

أيضا أعتقد أن النص ضعيف تقنيًا، ومليء بالتقريرية -حسب آراء بعض الخبراء- لكن لا بأس.

 ***
للحديث بقية. كوني بخير 
 

الاثنين، يناير 19، 2026

عزيزي بول أوستر 2

يُقال أنه لا يمكنك عبور النهر مرتين. فإنك إن دخلت قدماك ماء النهر، تغير عالمك لما قبل دخولك النهر، وبعده. وهكذا كل خبرة جديدة في حياتك.
والكلمات التي تقولها في لحظة انكشاف/ضعف/افتراس لا يمكنك أن تمحوها. يمكنك أن تتمنى فقط لو تنمحي بفعل فوقي متجاوز.
 
والتجارب التي مررت بها، قد يضيق بها صدرك، ولا ينطلق لسانك. ربما لأنه ما إن ينطلق اللسان فعليك أن تُسلم بكل الاحتمالات السخيفة: أن تُختصر في الحكاية التي ذكرتها، وبالترتيب الذي قلته في وصفها، وأن تسلم كل هذا الحكي لأذن لم تعش ما عشته ولم تفهم ما تفهمه.
 
أن ترضى بأن تُفهم جزئيًا -وتاخد بالباقي لبان*-، أو يُسخَر منك/تُستصغَر/ يُستخَفُّ بك/ يُحكَم عليك.
أن ترضى باحتمالات نجاح وفشل هذا التواصل/ التبادل الإنساني. 
أن تُوضع في مكانة ليست لك، ويُتوقع منك ما لا تقدر عليه، أو ما لا يصدر منك.
 
أريد أن أقول أننا أكثر من مجرد مواقفنا أو أقوالنا، لكن مواقفنا وأقوالنا تعني شيئًا وقت حدوثها، أو تلتقط أوتشير أو تعبر عن شيء ما وقت حدوثها. 
والحياة حركة مستمرة، لذا ما دمنا أحياء، فنحن في حالة الحركة والتغير هذه مهما بدا غير ذلك. وتعلقنا بالأنماط والتعميم والمعاني إنما هو طريقتنا في رسم خريطة واضحة للعالم الذي نتحرك فيه، وللأشخاص الذي نقابلهم في غابة الحياة. 
 
***

خريطة حياتي لم تكتمل بعد، لكن معالمها تتضح أكثر كل يوم.
أستجمع هِمَّتي، وعزيمتي لأنجز ما أعرف في نفسي أني أستطيع الوصول إليه.  لذا سأبدأ في إرسال هذه الرسالة لك، رغم عدم اكتمالها، ورغم أني لم أخبرك بالكثير جدًا مما أريد إخبارك به. 
 
حان وقت نومي الآن. غدًا يوم جديد، وخطوات سترسم خطًا يانعًا في خريطتي. 
 
 
 
 
 
 
 
 
--------
* عندما لا يملك البقّال في مصر فكة أو عملات صغيرة يكمل لك بها الباقي من حسابك، قد يعطيك لبانًا أو حلوى.

الاثنين، سبتمبر 29، 2025

عزيزي بول أوستر


قرأتُ لشخص يكتب ما ذكرني بنفسي منذ عامين. لم أتحمل العودة لحال الأسى والرثاء، فأغلقت الصفحة، وجئت هنا لأخبرك.
 
يكتب في مكان هو كساحةٍ فارغة يصرخ فيها، كمن سقط في هوة عميقة معتمة، يزحف زحفًا ليخرج منها للنور، أو ربما يسمعه أحد فيمد له حبلًا. 
لم أجرؤ أن أتفاعل بأي شيء. أقرأ في صمت وأدعو له ولي ولكل المُتعبين.
وأرى موضع خطواتي الآن، ومكاني في العالم. وأحمد الله.
 
نعم. نحن كائنات توحدنا الهشاشة.
لحظات كهذه هي ما تربطني بالإنسانية. لا أملك إلا التأثر بالكتابة الصادقة. تعرفها لأنها تربطك بلحظاتك، أو تنقلك للحظات عشتها فعلا، فتعيد لك مشاعر تلك اللحظات نفسها. وإن لم تعشها فهي تدخلك العالم الذي لك فيه مكان. تَعرِف وتُعرَف.
 
عالم تحاول فيه أن تقاوم شعور التيه والحيرة والفقد والأسى، ولديك بقية طاقة لتكتب ما تشعر به، وما يدور ببالك، وتنشره، ليقرأه شخص ما مارّ بالصدفة، أو باحث عمن يشاركه هشاشته دون أن تعقيد الأمور بعلاقات حقيقية قد تربكك أكثر. هذه وظيفة الكاتب والكتاب ربما: نقل المعارف، والتجارب، والخبرات بكل أنواعها. وضع تفسيرات ما، معاني ما مُحتملة لكل هذه التفاعلات مع الحياة.
 
ورغم كل هذا، فلا شيء يعوض العلاقات الحقيقية بكل أنواعها. فيها وبها نتشكل وننمو ونختبر الحياة. 
 ***

يقول أستاذي: أنتِ موهوبة، مشكلتك أنك لا تثقين في نفسك. 
ولا أجد حلًا لهذا.  
 
***
هذا الشهر انشغلت للغاية بكتاب لصديق يستلهم فلسفة (سيمون فاي Simone Weil). وانغمست في بحث مضني طال أيامًا فعلًا. بحث عن إجابات لكل ما لم أفهم، وما أعترض عليه. كان الهدف في البداية أن أخبره رأيي، ونتحدث حول الكتاب. وانقلب الأمر بحثًا عميقًا لأن عدم الوضوح يستفزني. ليس هذا غريبا علي. الغريب فقط أني تعبت أخيرًا بعد قرابة الأسبوع من كتابة الملاحظات والبحث، والقراءة. تعلمت الكثير عن (فاي) نفسها، بدأت أقرأ لها وعنها، وتعلمت عن آخرين في الطريق مثل توماس الإكويني، ومفاهيم كثيرة في الفلسفة، أو أدوات تحليل الخطاب، بل دفعني دفعًا لقراءة محمد عبدالله دراز (كتابه/ورقته البحثية عن الدين، وكتابه/رسالة الدكتوراة عن دستور الأخلاق في القرآن).

كل هذا الحماس والنشاط لأني استعدت شيئًا من سعادة أن يكون لك أصدقاء تتشاركون أفكارًا، وتأملون في الخير والحق والجمال.
***
 
يقول أستاذي: مشكلتك إنك عايزة تبقي زي الناس. وإنتي مختلفة.
ويقول: مشكلتك إنك بتصدقي كل حاجة، وبتاخدي كل حاجة جد.
ويقول: مش هايقبلوكي ومش عايزينك، ما تدوريش على القبول.
 
لماذا لا أرى ما يرى؟ لماذا أنجذب لأي أمل مستحيل كانجذاب الفراش للضوء؟
يبدو كل شيء أريده بعيد المنال، غير متحقق.
 
الفكرة أني كلما اجتهدت بشدة للحصول على شيء، أزهد فيه إذا وصلت.
أبسط مثال: بعض الكتب التي تحمست كثيرًا للحصول عليها، تجلس في الرف عندما أحصل عليها فعلا. لماذا؟
***
 
أستيقظ في بعض الصباحات وأنا أعرف تمامًا ما سأفعله. بعد القيام بواجبات اليوم، سأقلل المشتتات: أغلق حسابات التواصل، ويصير الانترنت للبحث فقط وربما اليوتيوب. 
سأكتفي بشيء من قراءة وكتابة، وربما بعض الأفلام. أليس هذا جميلًا؟ يغمرني هدوء ثم أنسحب من هذا العزم ولا أفعل. لذا فأنا أغبط من ينسحب من هذا السيرك الذي نعيش فيه بأيدينا.
 ***
 
عزيزي بول، كل شيء صعب الآن. ربما سيكون سهلا غدًا، نصبر ونتصبر. الكتابة المتناثرة ستتماسك وتُفهم. يومًا ما. 

الاثنين، أبريل 28، 2025

خطوة للأمام، اثنان للخلف، وتنهيدات طوال

(1)

 يمكن أن يغفر لك العالم التيه الذي تشعر به وأنت في العشرينيات من عمرك، لكن بعد أن تعبر الثلاثين وتدخل في الأربعين - يُظن فيك الاستقرار والثبات، ويُنظَر لتيهك بأنه نوع من الخيبة الثقيلة.

وربما ليس للعالم دخل في هذه التوقعات، وهذا مجرد ما يملأ رأسي، ويعطلني بالقلق والتوتر الذي أعيش فيه كلما واجهتُ اختيارًا. 

قضيتُ شطرًا كبيرًا من حياتي ليس لرغباتي صوت معتبر. أؤخرها لأعمل ما يقتضيه الحال وحسب. لم تكن ظروفي وقدراتي تسمح بأكثر من هذا. والآن بعد أن صرت مسؤولة وراشدة أجد صعوبة في الاختيار دون ضغط. تنبهت أني أضع نفسي في هذا الضغط أحيانًا لأنجز ما أعمل أحيانًا، فأسوّف إلى أن أعمل في آخر لحظة، أو أضع لنفسي التزامًا متعلق بآخرين لكي أكون في حرج أن أُخلفه. 

عدا ذلك فأنا شديدة التشتت، ولا أعرف إن كان هذا عرضًا صحيًا أم مجرد تكتيك شخصي للهرب من المسؤولية الشخصية تجاه نفسي. أن أعمل ما هو في مصلحتي دون ضغط زائد إلا أنه ما تستحقه نفسك منك كراعٍ أولي عنها. 

أضع خطة كل فترة، ألتزم بخطوة أو خطوتين ثم أشعر بفزع بارد يتسلل لي كل يوم أني لم أنجز ما يكفي، لن أنجح، لن أصل لأني أضيع وقتي كلما فلتت مني ساعة في قراءة أو تصفح أو مشاهدة. فأسوف وأفعل ماهو بعيد عن هدفي. 

أو أنه في الحقيقة ليس لدي هدف واحد في أي مرحلة، بل أهداف متعددة، كل هدف كبير منها ينقسم لخطوات يمكنها أن تكون أهدافًا صغيرة لحالها. فأجد نفسي في أول ثلاثة أيام مثلًا أنجز مهامًا كثيرة بحماس شديد، يقودني اعتقاد مخفي أني قادرة على إدارة عدة مهام في نفس الوقت، وهو ما كنت أجيده لكنه لم يعد ناجحًا بنفس الدرجة، ولم يعد يوصل لنفس النتائج المأمولة.  

أجد نفسي فجأة كمن استيقظ فجأة وسط متاهة، لم يعرف كيف وصل هنا، وأين عليه يتوجه ليخرج. 

***

(2)

خففتُ كثيرًا من استخدامي لخاصية تسريع الصوت الموجودة في المقاطع السمعية والمرئية في أغلب التطبيقات التي نستخدمها يوميًا الآن. كنتُ أستخدمها في كل شيء تقريبًا لأن (العمر قصير) ولا بد أن تفعل الكثير.

وجه حزين لصقه أحدهم على ردي عليه عندما سأل عمن يستخدم هذه الخاصية، وما أثرها في حياته. وانتبهت بعد ردي أنه لا يعجبني أني صرت أبعد بكثير عن الصبر، أبعد مما كنت عليه، ومما أتمنى أن أكونه.

عزوت قلة الصبر هذه إلى تداعي صحتي، ومحدودية طاقتي، لكني لم ألاحظ ما أفعل لأستطيع تغييره. هذه الوقفة كانت مهمة.

 بدأت أعيد سماع ما لم أستوعب. أكف عن ارتداء السماعات طوال اليوم، لأسمع نفسي ومحيطي وأفعل شيئًا واحدًا كل مرة. 

عدتُ بالتدريج لسماع الكتب أو البرامج وأنا أطبخ أو أفعل أي شيء روتيني. لكني وجدتُ مكانًا للقراءة، والاهتمام بالمواضيع والأفكار التي أقرأها. 

***

 (3)

مر عامان على حدث غيّر حياتي. واجهني بمشاعري التي لم يعد لها مكان، وبأساليبي النفسية التي لم تعد صالحة مع واقعي المتغير. 

استعنتُ لمدة عام بمساعدة نفسية، ثم فجأة قررتُ أني اكتفيت. تراكمت عليّ المهام والخطوات التي ينبغي أن أسلكها لأصل لمكان أفضل.

قررتُ أني لن أتحدث مع أحد حتى أنجز شيئًا. 

جزء من الأمر أن علاج الجروح بعد التطهير والضماد، هو الوقت. بعد فترة معينة لا شيء يمكن أن تفعله ليسرّع الشفاء حتى. الصبر والصبر الجميل فقط. 

وجزء آخر: أني متعبة فعلا من الكلام. أحتاجه أحيانا شخصيا، أو لأهميته لحل الأمور..لكني أكثر إرهاقًا من أصدر صوتًا. 

 

يوم وراء يوم، وأنا أجد أن عامًا مرّ ولم أحقق ذلك الإنجاز المُنتظر، وهو أن أكون في صحة ونشاط نحو الحياة.

خطواتي متعثرة، ويبدو كأن الأسى لم ينتهي، وكأن عامًا وعامين للحداد لم يكفيا. لم تتوقف رغبتي في مد اليد للصداقة، لكن توقفت عن أي فعل ينفذ هذه الرغبة. 

لا أريد كتابة رسائل، ولا طاقة لي للكلام. البكاء البكاء ..يخرج كما يخرج العرق، وكما تخرج الحازوقة، وكما يفاجئك وجع البطن، والصداع.

دون كلام، ودون صوت أعاتب من أعاتب، وأضم من أريد ضمه، وأدعو لمن أريد أن أدعو، وأقول غدا أضع ربع ساعة للبكاء حتى لا يفاجئني (مثلما كانت تفعل شيفي بطلة مسلسل Succession)

 أرحب بكل فرصة للضحك والمرح، أنطلق كلما استطعت، وإن لم أجد طاقة ..أبتسم كمُتعبَةٍ دُعيت للرقص (رغم أن ردها دومًا: في المرة القادمة إن شاء الله). 

 

ينقذني الحمدُ كل مرة وقفت على حافة الهاوية من السقوط فيها، ينقذني تذكر ما لدي دون حول مني ولا قوة- أن أضيعه وأسعى  خلف ما ينقصني. 

ينقذني تذكر حقيقة الحب (العطاء، أن تتجاوز نفسك)، وحده الأدنى (أن تكفّ الأذى مثلا) من الدوران في الفراغ.

ينقذني تذكر زوال الدنيا، ودوام الآخرة، فأتمنى ألا يجرفني النسيان، وأسقط في الهاوية. 

***

 هذه الفترة كلما أقدمت على ورشة أو التزام جديد توقفت. وتوقفت عن تأنيب نفسي لأن مراكمة المعلومات والمهارات ليست هي الهدف. 

أتمنى ألا يكون هذا انسحابًا مني - لا أعرف بعد-، أتمنى ألا يكون مؤشر غرق أسود آخر. سأمنح نفسي الراحة التي تنشدها، مقاومة إحساسي الغامر أني لا أفعل شيئا ذا قيمة.

***

تعلمت اليوم درسًا جميلًا قالته معلمة لتلميذاتها: "إن صَعُب عليك البدء في فعل شيء ما، فهذا لا يعني سوى أن أول خطوة ليست صغيرة بما يكفي". 

رغم حديثي عن صعوبة الاختيار عندي، وعن استدعاء وضعية الطواريء في الحياة بعد مدة طويلة من التعامل بها، إلا أني أستشعر النعمة التي أعيش فيها: كل إحساس في جسدي، الألم والراحة، وقدرتي على التعافي، والوقت لأنام دون أن أكون تحت ضغط يمنع النوم، وكل شعور حلو أتذوقه، وكل شعور صعب أمر من خلاله، وكل حب أشعر به دون تبرير. 

يذكرني هذا بالفيلم الجميل The Present بشكل أو آخر.


لنأمل في الخير، والسعة. والسلام.

الأربعاء، أبريل 09، 2025

غيمة

غدا

عندما أمرّ بالنهر 

سألقي بأمنية لقياك فيه


لن أتصل 

أو أترك رسالة 


إن تصادفنا

                       سأمرُّ كَـ هواء

                      شـ ـفَّـ ـافـ ــــة

                        بلا صوت 

                      ولا رائحة 

مجرد خاطر شهي

       أو فكرة سريَّةً       

               تتحقق في عالم موازٍ

الجدوى

ماذا يفعل المرء بعينيه 

       إن لم ير العالم الواسع؟

ماذا يفعل المرء برئتيه

       إن لم يملأها تماما بالهواء المجاني؟

ماذا يفعل المرء بأذنيه 

      إن لم يسمع غير ما في رأسه وحده؟

الجمعة، مارس 21، 2025

محطة القطار السرية*

غريبٌ أن نسخة مني تنمو وتزدهر في الظلمة، مدفونة عميقًا في عالم شاسع قوامه الأحلام المبتورة، والطرق المستحيلة، وكل المفقودين في الواقع.
نسخة تسعى أن توسع حدود الممكن في السطح قليلا، تحتفي بالبراح، وبالاستثناءات. 
 
 يتضخم العالم السري/الباطني أحيانًا، وينسى مبتدأ أنفاقه ومنتهاها، ترتفع أرضه، تحاول ابتلاعي أنا الواقفة على السطح/ في الظاهر مترددة بين إقدام على الحياة والتجارب وهرب منها.
 
ربما لا يبدأ النفق تحت المنزل/الوضع الذي أعيش فيه الآن، وإنما من مكان ما في ذلك الثقب الأسود.
قد لا تكون هذه بداية الأشياء، وإنما نهايتها..قد لا يكون السؤال: (هل من مكان أهرب إليه؟)، وإنما (ما الذي أهرب منه؟ ومالذي أهرب إليه؟)
 
(لماذا أنا هنا الآن؟)
(لماذا يلح عليّ هذا الاسم؟ وهذا الحَدَثُ؟وهذا الشوق؟ وهذه الأماني؟ إلامَ تشيرُ؟)
(لماذا لا أصل لأي مكان أو أي هدف؟ كأني أمشي في مكاني بكل همة! 
أم أني لا أنتبه لأي مكان وصلت له، لأني مشغولة بالهرب مما لا أريده أن يكون حياتي؟ 
 
عمري كله أقطع الطريق، وأطوي السكك..هل أنا هنا لأرى ما لم أرَ؟
هل تكتمل السكك أخيرًا، أم لا تكتمل أبدًا؟
 
هل أنا مجرد مسافرة على الطريق تقول: (سئمتُ الهرب)، ولا تتوقف عن الهرب؟
 
(2)
 
أقفُ على رصيف القطار. خوفك من فوت القطار عبودية للوقت، أم أمل فارغ أن في العمر متسع لنركب القطار الصحيح؟ 
الأحداثُ التي لم تحكيها لنفسك كما ينبغي بعد، والتي هي ظل لكل هذا الثقل الذي يعطلك كثيرًا من فترة لأخرى.
 (ربما نسيتي أين خبأتيها..اسألي جسدك)!

تقولين: ضيق الوقت لا يسمح بالإفصاح، أو بترتيب القصة. 
تراكمت السنوات، وضاقت عليها الكلمات البسيطة.
 
كلما مررتِ بفسحةٍ يمكن استغلالها للبوح، قلتِ ربما في وقت آخر.
 
يمر موظف القطا ذهابًا وإيابًا، يسأل: لماذا لا تتحدثين؟
(سيمضي القطار)
أصبحتِ عبئًا على رصيف القطار، وجدوله الزمني. (هكذا تشعرين).
 
تحدثي - ابحثي عن الكلمات وتحدثي-
فالقطار أوشك على الرحيل
 
وأنتِ ..لم تعثري على الكلمات حتى الآن.
 
هناك مقعد بانتظارك..
إيجاد الكلمات البسيطة الصادقة هو نصف المعركة فقط.
أن تعيش حياة بسيطة وصادقة، أو صادقة فقط، هذا هو الموضوع كله، والمعركة كلها.
 
القطار يغادر 
القطار دومًا يغادر
وأنتِ لم تعثري على كلماتك بعد.

ربما عليك بالفعل ركوب قطار متجه لعمران ما في نفسك، وفي الطريق، وبعد التجربة والحركة يمكنك تغيير الوجهة إن لم يناسبك الأمر.

ربما حان الوقت. ربما الآن هو الوقت.
———————-
* استلهامًا من The Underground Railroad 
كتبت شيئا، ومع المراجعة وإعادة القراءة، نتج شيء آخر. 

الثلاثاء، يناير 14، 2025

الخوف من الفقد

 أظن أن أكثر ما يعطلني شخصيًا عن الوصول لهدف ذو معنى في حياتي حاليًا هو الخوف من الفقد، واستعجال النتائج. بالإضافة لصعوبة إفلاتي من التوقعات المثالية أو تطلبها. 

أجد نفسي إما مُحبطة لأني لم أحقق النتيجة المرجوة حسب تصور منمق أرغب بشدة الوصول إليه، أو أتلكأ في أن أبدأ الفعل، أو أملّ بسرعة مقررة أن الأمر لا يستحق هذا التعب.

لاحظتُ أني أُنتج وسط مجموعة أو بالتزام أجبر نفسي عليه بشكل أو آخر، مثل التحاقي بورشة ما لمدة محددة، أو اشتراكي مع متخصص أو مجموعة لفترة محددة. ورغم أني أسعد بحصولي على نتيجة ما بهذه الطرق، إلا أني أدخل في دوامة غريبة بعدها. بعد انتهاء الضغط أستشعر الحرية، وأعطي نفسي مبررًا للغرق في المُلهيات بعيدًا عما أريد تحقيقه.


أريد أن أغير هذا الأمر لنمط أكثر استقرارًا ومتانة بحيث أصل لما أريده فعلًا بدل التمني. أو على الأقل أن أعيش تجربة متكاملة متصلة تمنحني نتيجة يعول عليها بعد ذلك في القرار أن أستمر أو أتوقف عن السعي في طريق ما.

 

ربما يساعد أن ألا أُحمّل الأفعال حمولة عاطفية تعطلني، أو أحبسها في توقعات مثالية. 

أحب أن أتذكر تجربتي في تعلم السباحة مثلا. من بدايته وأثناء تعلمي، كنت لا أصبر على جسمي في عدم إتقانه للحركات، أغضب وأضيق بنفسي ويدفعني ذلك للمحاولة أكثر، لكنه لا يمنحني أي راحة أو متعة تخفف الإحباط الشخصي من نفسي، إلى أن تعلمت من فترات الراحة في الماء بين الحركات أن الأمر ممتع، وأني بالفعل أتقدم وإن كان ببطء، فتجرأت على أن أعطي لنفسي أيامًا للعب دون ضغط الإنجاز الذي أضع نفسي فيه كلما دخلت المسبح. 

 

جربت بعدها تمارين المقاومة لما علمته من فوائدها لصحتي التي تتداعى، فوجدتها مؤلمة للغاية ومملة ورتيبة، ولم أجد فيها متعة السباحة. وربما لو لم يؤلمني أكثر المبلغ المدفوع للاشتراك ما أكملت. لكني تعلمت درسًا بعد المرة العاشرة مثلًا. أن الألم الذي أشعر به يبني بالفعل أو يزرع شيئًا جديدًا في النفس والجسد، وأنه يتأخر مع الاستمرارية والمداومة.

فالعمل مع الخوف من فقد الراحة الثمينة مُجزٍ آخر الأمر.

 لن يختفي الخوف بفعل ما سحري، بل يخفت صوته العالي أو يُدفَع تدريجيًا بالعمل، حتى يستقر الدرس الجديد، أو العادة أو الفعل الجديد.

وهذا سبب أني أكتب هنا -قد أفعل بانتظام حتى ينتهي دور هذه الكتابة- لأني أريد أن أستعيد الكتابة دون خوف من القراء وردود فعلهم، ومن حبهم وكراهيتهم، أو من أقول كلامًا مملًا ضحلًا لا فائدة منه، وليس جذابًا. 

بل إن شعار المرحلة القادمة هو: لنكتب كتابًا رديئًا! كما نصح ماركيز مثلا..ولأكتب كتابة رديئة. الأمر تقريبا لا مفر منه. لا ينبغي أن نأسر البدايات في توقع أو فرض أن تكون مبهرة أو ممتازة، او حتى جيدة طيلة الوقت. يمكن أن نحاول.

لنكتفي بالجيد، ونواصل العمل حتى الممتاز والمُتقن.


أمس شاهدتُ فيلما وثائقيا عن (كيرت فونيجيت)، تعلمت منه كثيرًا، وتفاعلت معه. من أهم ما انتبهتُ له هو الوقت الذي يستغرقه الكتاب ليخرج مهما كنت مهمومًا بالأمر، وأن ما يصل بك هو الاستمرارية والإصرار على الاستمرارية، والمحاولات التي لا تنتهي حتى تصل - أتذكر شعار "لا أبرحُ حتى أبلغ" الآن-.
درس مكرر من كل كاتب ذو شأن، أو فنان أو صاحب أي صنعة.

أحب أن أتحدث عن هذا الكاتب الذي يصاحبني هذه الأيام في وقت لاحق إن شاء الله.