أعارتني صديقتي روايتك (ثلاثية نيويورك) فسافرت بها مرتين من وإلى مصر، وأخيرًا انتهيت من قراءتها بالعربية والاستماع إليها بالانجليزية. وفي كل الأحوال تتسرب حكاياتك كالهواء بينما أقرأها وتقرأني. أبطالك الذائبين في المدينة التي تلتهم سكانها الحالمين، أتوه في تفاصيل ما تكتب، وأنسى ما قرأت، فأختبر نفسي لأتأكد من سير الأحداث. لا أعرف إن كان أسلوبك هو السبب، أم تشابك الأحداث، والاستطرادات المطولة -التي أحبها-، أم فقط المرحلة التي أمر بها.
***
تقابلنا على الحافَّة كشخصين حالمين. حافة المدينة، وحافة الواقع، وحافة الخيال، وحافة القصة، وحافة الشعر، وحافة ما في التصوير والسينما أيضًا.
تقابلنا كشخصين لم يريدا أن يتقابلا، كشخصين في وقت تحول عميق ما في حياتهما. وأوقات كهذه لا يميزها المرء غالبًا ويسميها إلا بعد أن يتجاوزها.
قابلتك ولم أقابلك. والجملتان صحيحتان. وكلما هِمْتُ في طريقٍ، وتذكرتُ ما حدث، تعجبت: أكان حلمًا طويلًا؟ أكان خيالًا؟ لماذا لا تبدو الأسئلة صحيحة؟ ولا يبدو أن الواقع والخيال لهما حدود واضحة؟
نعم. كما خمنت، قد أخرج من الحديث معك إلى الحديث معه فكلاكما ساكنين خياليين في عالمي، أثرتما فيه.
وما المانع؟ أليست هذه احدى وظائف الكتابة؟ أن تبني جسرًا مفهومية بين ما يضطرب في صدورنا من أفكار ومشاعر هائمة، وبين الواقع الحي المليء بكل ما عرفنا، وما سنعرف ومالم نستوعبه بعد. بين ما قد نستوعبه، ونراه قبيحًا جدًا لدرجة نتمنى ألا نتذكره، وبين تلك اللحظات الثمينة المضيئة وسط الظلمة، ذرات الذهب وسط أطنان من ذرات التراب.
***
اكتشفت (كيرت فونيجيت) العام الماضي تقريبًا، وأحببت كتابته جدًا. أسلوبه ساخر، خفيف الظل، يسمون نوع كتابته Satire، وبغض النظر- ربما شدني له بشكل شخصي تعامله مع كرب ما بعد صدمة شهوده للحرب بكتابته، وتفاعله مع الأحداث الثقيلة الجِسَام بخفة تلسعك وتخفف عنك بالضحك، فتجعلك لا تغرق في بحيرة ضحلة من الحزن أو الألم، بل هي جزء من الثانية يمكن أن تشعر بألم ثم يغوص داخلك لتسمح لدماغك بالتفكير والتأمل. وهذا ينم عن شخصية ذكية فريدة.
فكرته عن الزمن في روايته (المسلخ رقم 5) تشبه فكرتنا عن القدر والمكتوب. كل الأحداث التي تمر في حياتك مكتوبة سلفًا، ولو أنك كائن متسامٍ/فضائي/ترالفامادوريان (من كوكب ترالفامادور الذي تصوره فونيجيت في روايته- حيث يرون أن كل اللحظات ماضيها، وحاضرها ومستقبلها موجودة، وستظل موجودة) أي مكتوبة (بتعبيرنا). تحول لفيلم بالطبع
فكرته عن الإنسان أنه أقبح الكائنات وأجملها. سأحدثك عنه يومًا بتفصيل.
حُوِّلَت قصصه ورواياته إلى أفلام، وظهر في فيلم Back to school الذي اُقتبِسَ لاحقًا في النسخة المصرية (مرجان أحمد مرجان).
***
مرّ عام آخر بعد تعرفي على فونيجيت، وصار كل ما عرفته من ثلاث سنوات يبدو بعيدًا جدًا كأنه مرّ من ثلاثة عشر سنة، أو ثلاثين. وفي لحظات نادرة خاطفة تعود كأنها الآن.
فماذا يفعل الإنسان في غابة الحياة التي لا تأبه بمسمياته لما حوله؟
يقول هذه حقيقة وهذا خيال، يقول هذا ماضٍ وهذا حاضر، يقول هذا حب وهذه شهوة، يقول هذا جوع وهذا جشع، هذا نقص وهذا ورع…
يقول ما يقول، والحياة تواصل الحركة، والغابة لا تأبه له.