السبت، سبتمبر 25، 2021

محاولة 6


 لطالما كانت الكتابة هنا كتعليق على مجمل اليوم، والإمساك بفكرة كالإمساك بفراشة بشبكة غير محكمة.

اليوم انتبهت مثلًا لفكرة أننا نكتسب عادات جديدة حسنة أو سيئة شئنا أم أبينا، والفارق أن نوجه اعتيادنا هذا لما نريد أن نفعله حقًا، ولما نريد تحقيقه على مدى أبعد من عيش اليوم بيومه. 

وحتى خلال فشلي في تحقيق ما أصبو إليه ربما لمدة اقتربت من العشر سنوات-أقل أو أكثر- فكل تجاربي أضافت لي شيئًا، وعلمتني عن نفسي أشياء أكثر. 

وأكثر ما اكتسبته مع طول معايشتي لنفسي هو معرفتي لها أكثر. ما الذي ينجح معها وما الذي يفشل، والمؤكد أن هناك الكثير مما أريد المحاولة فيه أكثر، والأكثر مما أرجو من الله أن ينور بصيرتي لأفهمه.

 

 

الأربعاء، يونيو 30، 2021

محاولة 5

 تقريبًا لا شيء يُعِدّ لحياة الأمومة إعدادًا كافيًا.

منذُ صغري استمعت لتعليمات أو تحذيرات تبدأ أو تنتهي بـ"لما تبقي أم إن شاء الله.."، وسياق الكلام الذي تُذكر فيه الجملة يكون حثًا على سلوك معين أو تجنبًا لسلوك لا يصلح عندما أكون أمًا، بالإضافة طبعًا لتهديدي بأن عقوقي سأراه في أولادي عاجلًا غير آجل.

***

كابنة كبرى لطالبين، ثم عاملين تحملتُ المسئولية باكرًا. فشاركتُ في أعمال المنزل، والاعتناء بإخوتي، حتى نهاية الثانوية تقريبًا. وعندما وُلِد أخي الأصغر (باثنين وعشرين عامًا) أخبرتُ أمي أنني لن أساعد.
كنتُ أتوق للتحرر من كل ما أستطيع التحرر منه، بما أنني أعيش في عالم خفي خيالي واسع الأفق تملؤه الروايات، وتشده رغبات وفورات وحماسات الشباب، وعالم واقعي مُقيد بقيود دينية واجتماعية.

في الجامعة شاركتُ في كل ما يمكنني المشاركة فيه. دراستي علمية، ونشاطاتي متنوعة بين ما يخص مجال عملي المُحتمل، وبين اهتماماتي الأدبية.

غالبًا وبشكل غير منطوق، كان من المُنتظر أن يَعقُبَ الدراسة عمل أبرع فيه. أما الزواج والإنجاب فهو أمر ثانوي تتساوي فيه نسبة حدوثه وعدمه. وبالتالي فالتركيز على ما يغذي ويفيد مجال عملي كان هو الأولى والأكثر منطقية.

ظللتُ عشر سنوات أرفض مشاريع الزواج لعدم تناسبها معي، فهي إما مناسبةً لما يبدو من لبسي وعائلتي أنه يشبهني، ولا تشبه شخصيتي الحقيقية. أو يُرفَض من يتقدمون للزواج مني لأنهم ظاهريًا لا يشبهون أسلوب حياتي أو لأسباب عائلية ومادية.

وخلال هذه الفترة تغيرتُ وتقلبت شخصيتي كثيرًا، لكن بقي الخوف من المسئولية يتعاظم ويزداد ثقلًا في نفسي.

ثم حدثت الثورة، وجربتُ كثيرًا من الأفكار، وغيرتُ رأيي في كثير من الأشياء، وتغيرت مخاوفي بمخاوف أكثر عمقًا وواقعية.

 ***

لما تزوجتُ أخيرًا، وانتقلت لبلدة ساحلية هادئة وبعيدة عن مدينتي، استشفيتُ فيها قرابة العامين. 

كنتُ محتاجة تمامًا للراحة والهدوء، والتعامل مع وحوشي الداخلية، وصدماتي الصغرى والكبرى. بعيدًا عن أهلي وأصدقائي وأنشطتي وحياتي. بيت صغير في مكان غريب كافٍ لإعادة التوازن لكل هذه الفوضى التي خلفتها وراءي.

ورغم أن احتمالية الإنجاب أثرت في قراراتي وفي اختيار شريك حياتي، إلا أنني لم أرغب البتة في الإنجاب أول سنين زواجي.

رأيتُ أن من الظلمِ أن آتي بطفل لهذا العالم القاسي، وأنني لا أعرف ماذا أخبره وعلى ماذا أربيه. شعرتُ أن كل قناعاتي غير راسخة، وكل ما عرفته يحتاج فحصًا. وأنا غير مستعدة لكل هذا.

احتفظتُ بهذه الأفكار لنفسي، ناجيتُ بها نفسي ومن يعلم السر وأخفى. مكثتُ ثلاث سنوات إلا أن أمر الله بخروج ابنتي للعالم.
قرأتُ كثيرًا جدًا، واستمعتُ لكل ما أمكنني كاستعداد للمرحلة القادمة. لكن سذاجتي هي ما دفعتني للاعتقاد أن هذه هي طريقة الاستعداد المُثلى. وهو أفضل ما ظننتهُ وقتها.

***

أول ما اصطدمتُ به واقعيًا في الأمومة هو تجربة الولادة. فبقدر ما أعددتُ لها كانت أصعب تجربة مرت علي في حياتي. كنت أتصبر على آلام المخاض أني سألد ولادة طبيعية، لكن الأمور تعقدت ودخلتُ لإجراء الجراحة لإنقاذ الجنين بعدما نفذ الماء المحيط به تقريبًا وتلوث.

ثم أول ما عدتُ للمنزل من المشفى، فُتِح الجرح. وظللتُ أتردد على الطبيب يوميًا لمعالجة الجرح الذي لم يلتئم حتى مرور أربعين يومًا.
كل هذا بسبب جرعة مميعات الدم التي كنت أتناولها لإصابتي بالجلطة مع الحمل.
وكل هذا بجانب متاعب الأمومة المعتادة في الشهور الأولى. شعرتُ بأني خُدعتُ في كل ما تعلمته، وما توقعته. والمرء مسجون بتوقعاته إن تمسك بها -هذا درس ثمين انتبهت له بعد ذلك-.

لم أشعر بما توقعت أن أشعر به، كنت أنظر داخلي، فلا أرى شيئًا وسط كل هذه الآلام من الرضاعة ومن الجرح، ونقص النوم، والبكاء المتواصل الذي لم أتعلم كيف أتعامل معه، فكان الشعور بالعصبية والغضب والإحباط يفترسني أيما افتراس.

لحظات نوم صغيرتي في آخر الليل هي أثمن اللحظات في ذلك الوقت، وكلمة طيبة ذكرتني بها زائرة مهنئة بأن كل هذا ثواب وأجر (وكان هذا لا يعزيني وقتها ولم يخطر ببالي حتى ذكرتني)، وكلمات بلسمية من صديقة تخبرني أن كل هذا سيمر. وستغلب المشاعر الطيبة كل ظلام هذه الأيام. وقد كان.



 

الجمعة، يونيو 18، 2021

محاولة 4

 انتبهتُ لنفسي وأنا أتهرب من الكتابة بحجج مختلفة. تارةً لأن جسدي مُرهقٌ ويبثُ آلامًا مزعجة في أكثر من مكان، وتارة لأنني أريد أن أنام ولكني لا أستطيع الاسترخاء كفايةً لأنام، ولا أستطيع فعل شيء آخر غير المشاهدة السلبية عبر هاتفي لأي مسلسل أو أي أخبار تافهة لا تعنيني حقًا. 

المواجهة العمدية لما تشعر به، وجلوسك قاصدًا التفكير ليس أمرًا سهلًا، حتى لو أنك تفعله لأثره الجيد، أو لتخفيف العبء قليلًا عن كاهلك.

***

هذا هو اليوم الثاني دون سماع صوت منبهات من هاتف صديقتي وزوجها. 

هاتف الزوج يرن منبهه يُذكر بوقت العمل، وتتصاعد من فترة لأخرى صوت تنبيه لوجود رسائل واردة من تطبيق ما. 

وهاتف صديقتي يرن كل يوم الساعة 11:56 ليذكرها أن (احجزي الصلاة في الروضة في تطبيق اعتمرنا). 


الهواتف والأجهزة اللوحية المحمولة كلها الآن في أمان مع أخو صديقتي حيث سيسافر بها لمنزلها الأخير. 

زارتنا صديقتي وأسرتها في أواخر شهر رمضان من مدينة أخرى سكنا فيها وشهدت بداية تعارفنا، ولما انتقلنا منها ظللنا نعود إليها لنقضي معهم وقتًا. نأكل ونشرب ونتسامر ونجرب أماكن جديدة ونشاهد معًا أفلامًا أو حلقات من مسلسلات (تريد أن تقنعني بأن أشاهدها)، نتكلم عن خططنا المستقبلية وعن آخر ما قرأنا وشاهدنا، وعن أحداث حياتنا الجارية.

كان أغلب الوقت نقضيه في المطبخ تُعد للأولاد ولنا ما طاب، وأعاونها في تنظيف ما ينتج عن كل هذا النشاط الغامر. ثم نجلس نصف الوقت الثاني في محاولة إقناع الأولاد بأن يلعبوا في غرفتهم لكي نستطيع أن نتحدث قليلاً في هدوء، أو نشاهد شيئًا ما ونحن نشرب الشاي.

في الليل، نذهب للفندق لننام أحيانًا، والأغلب ننام في غرفة مخصصة لنا في بيتهم، ونستيقظ لنفطر ونجلس حتى العصر بعد أن قلنا أننا سنرحل الظهر.


لم تزرني صديقتي في بيتي هذا غير هذه المرة، وخططنا للمرات التي تليها، وحلمنا بانتقالهم معنا خصوصًا مع وجود فرصة عمل وحياة في مدينتنا. 

في صباح اليوم التالي سافرنا معًا في رحلة طويلة بالسيارة استغرقت حوالي سبع ساعات، قضينا أسبوعًا تقريبًا في مدينتين نسكن نفس الفنادق، ثم اتجهنا عائدين لمدينتنا ونحن نأمل أن يقضوا معنا يومين قبل التوجه لبيتهم.
فجأة في وسط طريق العودة تصاعد دخان رأيته لما التفتُ. لم أر سوى هذا الدخان ثم أصوات عالية طاغية بداية بزوجي الصارخ "يا رب ما يكون هو..يارب ما يكون هو" والعودة للخلف بأقصى سرعة، وخروجه من السيارة صارخًا "كلمي الإسعاف".

زحف من السلك الفاصل بين الطريقين ليرى صديقه والسيارة مقلوبة رأسًا على عقب، وكل شيء متناثر، وكل شي مبعثر، وكل شيء دامٍ ومترب ومنتهي ومكتوب منذ الأزل.


في مكان لا اسم له، هو برزخ بين مدينتين، لا يوجد لافتة تدل على شي، ولا مَعلَم يمكن رؤيته. فقط طريقان عكسيان ممهدان بينهما سور شبكي فولاذي. الطريق الوحد يتسع لثلاث سيارات، وسرعة الطريق الرسمية 140 كيلو في الساعة.
 

انزلقت السيارة الكبيرة بكل سرعتها وكتلتها بعد أن اصطدمت بسيارة صغيرة متباطئة على الطريق السريع، الذي يتسابق المسافرون فيه أصلًا لكسر السرعة الرسمية..كيف وصلت للسور الذي انحنى ولم ينكسر، وكيف تسبب هذا الانحناء في إقلاع السيارة ودورانها في الهواء مرة تلو الأخرى لتنفض راكبيها منها مبعثرة إياهم الطريق.

وحده الأب والابن والصديق والزوج الحبيب ظل محبوسًا في مقعد السيارة، إلا أن تجمع الرجال وقلبوها. فيستطيع أن يتنفس قليلًا آخر ما تبقى له.

كيف قفز الرجل بجواره يلقنه الشهادة؟ هل رأى مقعده من الجنة وهو يرفع رأسه كلما قيلت الشهادة غير قادرٍ على النطق.

هذا وقت تتنهي فيه الهموم، ويخفت فيه القلق على الأولاد والأحبة وتدبيرات الحياة، وتنعزل عن مسئولياتك، وتنفصل عن كل غريزة لك.


يكفي هذا اليوم.

الثلاثاء، يونيو 15، 2021

محاولة 3

 

أريد أن أحكي لمن فقدتهم عمن فارقتهم. 
وأن أضم كل مخلوق كنّ لي ودًا، وكننتُ له ودًا ذات يوم ضمًّا طويلاً رفيقًا.
وهكذا نتقوى على الفراق الحتمي بالموت، بمقاومة الفراق بيننا لأن الحب انتهى، أو لأن الصداقة ما عادت تصلح، أو لأننا على بُعد آلاف الأميال -والألم الذي بيننا يطيلها أكثر-.
 
أتنازل عن ألمي للطريق، وللأيام المجهولة الباقية من عمري. 
 


السبت، يونيو 12، 2021

محاولة 2


لطالما كانت القراءة منذُ وعيت نافذتي خارج عالمي المحدود. نشأت في أماكن متعددة في جدة، كان لنا أقارب في نفس المدينة والكثير من الأصدقاء. إيقاع الحياة رتيب ومريح ومتوقع. 

أول كتابين اشتراهما أبي خصيصًا لي كانا (زوجات النبي) و(غزوات الرسول) يوم جمعة بعد الصلاة من أمام المسجد. كنتُ في الصف الثاني الابتدائي تقريبًا. وقد تأثرتُ كثيرًا بالكتابين وأقسمتُ وقتها أنني لن أفعل شيئًا خاطئًا يتسب في حزن الرسول أبدًا. ولم أبر بقسمي طبعًا -أسأل الله العفو والصفح والغفران-.

تدفعني الكُتب دومًا لتجاوز حدود واقعي ذهنيًا، ثم محاولة تجاوزها عمليًا، وهو ما ينجح أقل كثيرًا مما يفشل. 

جعلني هذا في فترة طويلة من حياتي مثاليةً، حالمة، لا أعرف حدود قدراتي فعليًا. لم أكن مشغولة بتطوير قدراتي بقدر انشغالي باختبار قدراتي. فإن استطعت فعل شيء أو مجرد ظننتُ أنني أستطيعه انتقلتُ لغيره. 

في الدراسة كنتُ متفوقة بلا جهد كبير، ولما انتقلت لمصر، كنت كذلك بمقاييس المقارنة، لكن الدرجات لم تكن مكتملة كما كان الحال في السعودية. كان هذا أول إحباط تقريبًا. كنت في آخر عام في الابتدائية، ولم ألتحق في بداية العام، وحصلت على المركز الأول في مدرستي بمجموع يقترب من 92%. مع كل هذا الاهتمام بالحفظ والواجبات المنزلية الكثيرة وإيقاع الحياة المفاجيء والمزدحم والفوضوي في القاهرة.

تعلمت مهارات كثيرة في وقت قليل. تعلمت حضور مدرسة مختلطة مسائية تبعد عن منزلنا مسافة سبع محطات بالترام. تعلمت أنه لا أحد من الزملاء والزميلات والأقارب يشبهني في نمط حياتي، وأن التوقعات منك مختلفة وبعدد من نعرف.

والدتي هي من كانت معنا، ولم تختلط بالشارع يوميًا كما نفعل. والدي ظل سبع سنوات بعدها في جدة نراهُ شهرًا كل عام. 

ما زالت أمي في عالمها، تحاول قصارى جهدها أن تحفظ للبيت نظامه في المكان الجديد مع خمسة أطفال ذوو أعمار مختلفة.

***

ذكراي عن أبي أنه دومًا مشغول في العمل، ووقتنا الخاص معه كان غالبًا يوم الجمعة. كنا نذهب لشاطيء جدة بعد الفجر حتى لو دون أمي، نلعب الكرة على الشاطيء، نبلل أقدامنا إن أردنا، ثم نشتري المناقيش من فرن في الحمراء، ونعود للبيت لنفطر ويستعد أبي وإخواني لصلاة الجمعة، وقد أذهب معه وحدي أحيانًا.

عرفت سلاسل (رجل المستحيل) و(ملف المستقبل) من أصدقاء لنا كانوا أكبر سنًا، قرأتها لديهم ثم طلبتها من والدي.

واقتنى أبي لي عددًا من روايات (أرسين لوبين) وبعض المترجمات في الصف الخامس الابتدائي تقريبا. 

لوّن هذا عالمي، فإلى جانب مجلة ماجد، وبعض كتب الفراشة، وقصص من هنا وهناك، لم يكن متاحًا لي من كتب الكبار إلا كتب دينية قديمة أو معاصرة، وكان المفهوم ضمنًا أن القراءة لابد أن تكون مفيدة في الدنيا والآخرة. أي في النهاية كتب لها طابع فكري إسلامي أو علمي بحت. 

 لم يكن الإعلام عنصرًا في تشكيلنا، فلم نملك تلفازًا عن قناعة من الدتي أنه مُفسد ومليء بالأكاذيب. كانت أمي صغيرة في السن ومثالية وقارئة وأرادت تشكيل العالم الأمثل لنا.
لم تتركنا دون بدائل، فكان وقتنا مشغولًا بالأنشطة والاجتماعيات. وذكرياتي عن ذلك الوقت أغلبها مبهج وهانيء.
لما عشنا في القاهرة الصاخبة، كل شيء زاعق، وأنا غريبة عمن حولي، فكانت الكتب خير أنيس.

أسعدُ ما في القاهرة كان بيت جدي وهو قاريء مخضرم، وكاتب مُفكر، ذو مكتبة ضخمة تمتد في حوائط أغلب البيت، حتى الشرفة.
وأسعد الأوقات هي نقاشاتنا حول كتاب أو مقالة أو مراجعة لمسودة كتاب يعمل عليه أو خطبة جمعة.
اشترى لي جدي مجلة ماجد بانتظام، وكنت أقرأ عنده ما فاتني من جرائد ومجلات. بمصروفي بدأت شراء مجلة العربي الصغير ثم العربي للكبار، ثم كتب مكتبة الأسرة. وتعرفت على الكتب المستعملة، وبالطبع بين هذا وذاك كانت مكتبة المدرسة ثم المكتبات العامة بدءًا بمكتبة الخلفاء الراشدين، ثم مصر الجديدة العامة، حتى وصلت للجامعة لمكتبة المعادي العامة ومكتبة مبارك في الجيزة.

طورت القراءة علاقتي بالكتاب من مجرد أصدقاء متخيلين، إلى محاولة الكتابة إليهم أو مصادقة قراءهم. فكان طبيعيًا أن أسعى لوجود اتصال بالانترنت في بيتنا حتى أستطيع دخول منتدى روايات، لألتقى بقراء روايات مصرية للجيب. ومنهم تعرفت إلى أغلب أصدقاءي وأخلصهم حتى يومنا هذا.



الجمعة، يونيو 11، 2021

محاولة 1

 منذُ كتبتُ بشكل واعٍ كتعبير عن النفس، كانت الكتابة هي محاولة للتواصل والتفكير. 

أدركتُ ذلك بعد محاولات كثيرة للإجابة على السؤال المتكرر الظهور لماذا نكتب؟ -أو شخصيًا لماذا أكتب أنا-.


لم تمثلني إجابة مثل (أكتب لنفسي)، فأنا بالفعل أكتب لنفسي إذا احتجت في دفتر يوميات أو ما شابهه، ولا تُعد هذه الكتابة صالحة لأن يراها أحد غيري. 

ربما في مرحلة ما من عشريناتي كنت أخلط بين هذا وذاك، فأنشر ما ينبغي أن يظل لعيني فقط، وأجْبُنُ على تهذيب ما يمكن أن يُنشر.

 

لا أندمُ على هذا، فهي مرحلة ربما كانت حتمية لتطوري. إضافةً أنه لا فائدة من الندم على أية حال. تمضي الأيام رويدًا رويدًا، ويهدم التأجيلُ صروحًا خيالية تشي بالعظمة، وتُميتُ ما تتصور أنه سيكون جزءًا من حياتك أو نفسك التي تريد.

***

 وقت الثورة التي مر عليها أكثر من عشر سنوات، كنت أظن أن الكتابة عما يحدث يوميًا تعجلٌ وأقلُ أهميةً من الفعل. فأكثرت من الفعل قدر طاقتي، حتى لم يعد لذلك نفسه أهمية.

والآن أعيش حياةً عادية تمامًا، تدهس فيها الواجبات الأيام، وتسلمك الساعة لأختها، والسنة لما يليها، إلا أن يقضي الله أجلًا كان مفعولًا.

لم أصبح كاتبةً فعلًا لأني لم ألتزم بالأمروأسباب أخرى غير مهمة. 

كل حيٍّ يعالج ما يرى بطريقته. وقد توقفت عن الكتابة تمامًا -حتى الشخصي منها- لسنوات، لمجرد التعامل مع ألم تجارب خاصة، وقد أدى هذا الانقطاع وظيفته.

أتصور أنني إن رسمتُ أو صنعتُ بيدي شيئًا مفيدًا جميلاً، سيكون ذلك تقديرًا ماديًا عمليًا للجمال ولنعمة الحياة. وأنه قد يرضيني أكثر من كل الأفعال اليومية البسيطة المتعلقة بالعناية بالبيت والأسرة. لكنها مجرد تصورات. فمن يحدد لنا قيمة الجمال والتقدير والرضا إلا أنفسنا؟ ومن يغير قيمة كل هذا إلا تعاملك مع تجاربك وحوداثك اليومية؟

لم أجمح أفكاري ومشاريعي من قبل في رأسي، ولو بالبدء في مشروع ما أرغب فيه والصمود حتى يكتمل. لكن الأيام تقوم بواجبها الطبيعي في دفن كل ما لا تعتني به.


***

عندما جئت لأكتب هنا، كنت أود الحديث عن حدث كبير في حياتي مؤخرًا، وعن أفكار ظننت أنها ستكون واضحة، ومفيدة لمن قد يشعر بمثل ما أشعر وتتوه منه الكلمات وطرق التعبير، فتُطبِقُ المشاعر والحوادث على صدره، فربما يجد في بعض الكلمات عزاءً وسلوى.


لكن العهد بيني وبين الكتابة كتعبير وتواصل بعيد الآن. سأحاول استعادته، لمدة 36 يومًا، لأني قاربت على الوصول لهذا السن، وهو مجرد رقم يفيدني في تحديد عدد الأيام التي سألتزم بها في هذه الكتابة.

ولأني أحاول مساعدة نفسي على المُضي في هذه الحياة. 

على كل حال، ليس متوقعًا أن يقرأ ما أكتب أحد، ولم أكتب أصلًا حتى الآن إلا ما يفيد بأني حية ومهتمة بالكتابة وبالتواصل، وأسعى للالتزام به كنوع من التقدير للمحاولات والمثابرات، وبس.


الجمعة، مايو 31، 2019

شاي العصاري

يجلس على الكرسي. لا يتحرك. يمسّ صلعته. يدخن سيجارة العصر. يرى النيران تلتهم امرأته. يتقدم لينقذها. الباب مغلق. يكسر الباب. النار لا تنتظر. صعد سلم المبنى ليصل إليها. صعدت إلى السماء قبله. احترقت رأسه. احترق قلبه. 
بعد شهور، أفاق. عاد للأطلال. أسكنه الجيرانُ بيتًا جديدًا. 

كل يوم في العصر. ينتظره الكرسي أسفل البيت المحترق. يجلس، يشرب الشاي. يهز رأسه لمن يمر، ويبتسم.