تستدعي الكتابة غالبًا أحيانًا المليودراما، والمفارقات، والصدمات، والمكبوتات، والصراع، ولحظات التحول. بينما تُغفِل المتوقع، والمتكرر، والطيب.
ذاكرتي عجيبة، أو أن الكتابة تنتقي من الذاكرة الأعاجيب.
عندمت كتبت المرة الماضية عن الصداقة، تذكرت موقف صديقتي غيمة التي قررت ذات صباح -بعد عشر سنوات- أننا لن نصبح أصدقاء. ولم أذكر أصدقاءي المخلصين المحبين في كل مكان، الذين دامت صداقتنا عشرين عامًا وأكثر-والحمدلله-، والذين مهما تباعدنا يمكننا استئناف الحكايات من حيث توقفنا.
لم أكتب عن الأصدقاء لعام أو عامين، ثم تفرقنا الظروف، والانتقالات بين البلدان، أو حتى الانتقال لدار الحق. يومًا ما.
مثل هؤلاء شجر مُعمّر مثمر دائم الخضرة، مديد الظل.
ثم إن من الأصدقاء، من تكون علاقتكما ثابتة، ربما لا تختبرها المواقف، وربما تنقذكما المسافة. ومنهم من تتجدد علاقتكما وتكبر مع تقلبات الزمن.
***
وأنا أكتب أشعر بزحام من المواقف، والأفكار، والمشاهدات التي تستدعيها الكلمات أو ما أتحدث عنه، ولا أعرف من أين أبدًا بالضبط. هأنذي أواصل الكتابة بعد أن ضبطت نفسي أحاول فهم أفكار (لاكان) الآن.
الذي استدعاه في ذهني هو أنه يرى أن البنية النفسية تتحرك بين ثلاث مستويات: الواقعي، والرمزي، والتخيلي (المثالي).
فالمثالي/الخيالي مرتبط بمرحلة المرآة، حين يرى الطفل صورته في المرآة ويربطها بنفسه، ويتماهى معها كصورة متكاملة، رغم أن جسده الفعلي لا يزال مفككاً وغير منسق حركياً. هذا التماهي يؤسس "الأنا" كبنية وهمية أساساً — أنا مبنية على صورة خارجية، لا على معرفة داخلية حقيقية بالذات.
التخيلي إذن هو عالم الصور، والتماهيات، والانخداع، والعلاقات الثنائية (أنا-آخر) القائمة على التنافس والعدوانية.
والرمزي فهو نظام اللغة والقانون والقواعد الاجتماعية التي تولد في سياقها الذات، وتخضع لها، وتتأثر بلغتها (أي ألفاظها التي تستخدمها للتعبير عن نفسها).
أما الواقعي عند لاكان فهو ما يستعصي على المستويين الرمزي والتخيلي. يعني لا يمكن التعبير عنه بالضبط، أو تمثيله، أو دمجه في معنى مُفسِّر، كالجوع الخام، والألم، والصدمة قبل أي تفسير.
ما أريد قوله أنني مهما وصفت وأسهبت فسيبقى هناك ما يستعصي على التعبيرأو التفسير، فربما هذه العودة للذكريات محاولة لتفسيرها.
وكل هذه التعبيرات تخرج بلغة لم أخترعها، لكني أستخدم ما أملك، وأستكشف طرقات هذه اللغة.
