الثلاثاء، أكتوبر 20، 2026

مائة نظرة ونظرة - 11

https://thumb.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/4/47/Emperor_Clothes_01.jpg/500px-Emperor_Clothes_01.jpg
فيلهلم بيدرسن أول من رسم لهذه القصة 

 

يحكي أن امبراطورًا أحب الملابس الفاخرة، وصله خبر أن خياطين ماهرين جابت شهرتهما البلاد يصممان ملابس فاخرة لا يراها إلا كل ذكي.   

ولأنه امبراطور ذكي، فقد استدعاهما، ووكل إليهما مهمة إلباسه في الاحتفال  القادم، وقد ألبساه ما لم يره أحد من قبل. 

جاء يوم الحفل، وخرج الامبراطور في أبهته متبخترًا. عم الصمت، فأكد له ذلك أن هيبته اليوم هيبتين. 

شق الصمت صوت طفل: "الملك لا يرتدي شيئاً!"

***

هذه حكاية (ملابس الامبراطور الجديدة) احدى الحكايات الخيالية التي كتبها هانز كريستيان أندرسن، وتستخدم كمجاز لمن ينكر الوقائع التي يراها بعينيه لأسباب ما.

الأسباب الواضحة في القصة لفعلة كهذه هي الخوف من أن تُنعت بالغباء، أو أن تصير مُسخة، أو الاتفاق الجمعي على أن "إنكار الوقائع" هو طريق السلامة.

***

ماذا لو كان هذا الصمت تجاه ملابس الامبراطور الجديدة نتيجة خوف حقيقي من عنف حقيقي. ماذا سيحدث للطفل إن لم يتجاوز الامبراطور عن قوله بما يرى؟ -وهي في النهاية مجرد تعبير بالكلام عن واقعة وفقط-

هذه الفترة التي أرى بعيني كيف لا يتحمل النظام مجرد تدقيق في الأخبار عن الوقائع. أصبحت الكتابة احدى أساليب دعم الوقائع، مقابل كل هذه الفيضانات من المعلومات المزيفة والمنقوصة والمشوهة لكل شيء. لعل الأصوات التي تعلو (أن الامبراطور عار) تزيد، فتهزم هذا الصمت، وكل هذا الطغيان. 

***

ربما بالفعل لا يكتب إلا واحد من اثنين: له هدف، أو رغبة دافعة قوية ككسب مال، أو المجد والأثر، أوالشهرة.  والآخر من تدفعه الكتابة نفسها (ثمارها، وتطوير الفكرة، والتواصل) للكتابة -ولعلني ضمن هذا الآخر-.

لست مناضلة ولا بطلة بأي شكل، ولا أريد التعرض لعنف، وتضييق. وأتساءل كل مرة هل يمكن للمرء أن يكتب بحرية مع اتساع قوائم الممنوعات لتضم بديهيات اتفق عليها الناس منذ زمن. 

هل يمكن أن أكتب كتابة صادقة وحقيقية، إن لم أتحر الصدق فيما أكتب، وأستطيع أصلا أن أكتب ما أريد؟
ثم أنتبه بعد تفكير لضيق المنظور الذي حبستُ الكتابة فيه، فالإبداع ليس طيلة الوقت ابن وقت الدعة والراحة، بل هو في كل وقت، والحاجة أم الاختراع، ولربما كُتبت قيل كل ما كان ممنوعًا على لسان الحيوانات في الحكايات، وبين ثنايا النكات والكوميديا.

*** 


ما معنى أن تخرج المديرة العامة للصليب الأحمر لتؤكد فقط أن "تعذيب الأطفال جريمة" كأننا نعيد اختراع العجلة؟

قالت إننا نعيش في زمن حرب، ولا بد أن نفهم ونؤكد على أهمية أن تظل "قوانين الحرب" حاضرة ومُحترمة، لأن كل اتفاقيات "حقوق الإنسان" كُتبت وصممت أصلا لمثل هذه الأوقات. وأنها تؤكد المؤكد فقط لأننا أصبحنا نرى القادة يصرحون في كل مكان: "أن قوانين الحرب القديمة لم تعد صالحة".
 

أشعر بعبثية كل ما يُقال، وبقلق مما يجري. ووقت سماعي لمثل هذه الخطابات لم أشعر أن فعلا كالذي فعلته قد يؤثر -ربما ظننتُ أن شخصية مثلها في منصب مهم يمكنها أن تفعل أكثر من التأكيد بالكلام-.
ووقت القلق تبدوالأقوال كأنها غير كافية، ولا بد من أفعال كبيرة، وتبدو فكرة "تأثير الفراشة" مجرد رومانسية لا مكان لها في الواقع، لكني كلما ابتعدت وهدأت وتذكرت وجدت الحياة كلها تفاصيل متناهية الصغر، وما علينا إلا السعي، والعمل بقدر طاقتنا ومعارفنا ومكاننا(والقول نوع من العمل في مكانه).

وأذكرُ.."لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلِق".

الأحد، أكتوبر 18، 2026

بيت لا يمل الانتظار

قديمًا 

كلما تُقتُ لصديق

تخيلت حديثنا

وكتبًا نتبادلها، 

وأشعارًا نتلوها

وشوارع نمشي فيها 

وطعاما طيبًا،

وشرابا بيننا

وفرحة اللقاء

وأملا مع الوداع 

 

الآن 

كلما تُقتُ لصديق

نظرتُ لنفسي

وللصمت الطويل

والمشي الطويل 

وصحبة الكتب

 

ورأيتُ بيتًا رَحْـبًا

فيه حُجرة سرية

               لي وحدي

وحجراتٌ مضيئة للأصدقاء 

وحديقة شــــــــــــــــــاسعةٍ..

                         حولها غرف للعابرين

 وباب البيت 

مفتوح على البرية

كعش ينتظر طيره المهاجر 

                                    بلا ملل

مائة نظرة ونظرة - 10

 رأيت فيما يرى النائم كابوسًا، جالسة قبالة أمي وجوارها رجل خمسيني ناقم الوجه متوعد، يشلني الخوف، فلا يخرج مني صوت، وبعد مغالبات تخرج الصرخة صوتًا خافتًا: "ماما ..حد جنبك، هايموتني!"
تهدئني: "مفيش حد هايموتك".

أنزع نفسًا من مكاني، وأركض بكامل قوتي في نفق مظلم طويل، أصرخ والرجل خلفي يقترب، ويلمع السكين في قبضته المرفوعة، أصرخ رعبًا، ويصرخ غضبا وانتصارًا

يوقظني زوجي، بعد أن أيقظه صراخي الذي أفلت من الحلم كأنين طويل. أعتدل وأنا أستعيذ. ولا أعود للنوم.


"لماذا لم تصدقيني يا أمي؟" 

*** 

رأيت فيما يرى الصاحي كابوسًا، جالسة قبالة صديقتي  تحكي لي عن بيتها الأول في البلد الغريب، كانت تقيم مع ابنتها الأولى -عمرها لم يتجاوز العام- ساعات طويلة كل يوم قبل عودة زوجها من العمل، ترى بعينيها أناسًا بطول السقف يشاركونا البيت، يلاغون ابنتها فتضحك لهم، ترتجف وتبتلع لسانها، وتنتظر صوت تكة المفتاح بنفاد صبر، حتى تشعر بشيء من الأمان.

- ليه ما قلتيش لحد؟ 

- وايه الفايدة؟ ماحدش هايصدق..

أنصت لحكايتها باهتمام وأنا أرى طريقين واضحين، أحدهما فيه ألاعيب العقل، ومدخل للجن، والكائنات الأخرى التي تُظهر نفسها لذوي الأرواح الشفيفة والضعيفة على حد سواء. والآخر فيه ظل النفس التي تخبيءُ فيه كل ما يجعلها منبوذة من المجتمع، وبئر ممتليء بكل الصرخات والأنات المكتومة. 
تحكي عن نصيحة أخت لها بأن تحضر طاقية مغموسة في المسك المقروء عليه آيات من الذكر الحكيم، تُلبسها ابنتها التي تصرخ غضبًا غير مفهوم أو متحكم فيه فجأة، فتساعدها على النوم. 
تحكي عن النمل الذي ظهر بعدها فجأة فغطى سجادة الغرفة بالسواد.. تشفطه بالمكنسة الكهربائية، وتخرج المكنسة خارج الشقة حتى يأتي زوجها، تدعو ربها أن يخلصها من هذه الشقة، فيتصل صاحب البيت بزوجها: "من فضلك اترك الشقة خلال أسبوع، لن نجدد لك الإيجار".
تتنهد بارتياح، تلم العفش والمخاوف في صناديق تحكم إغلاقها. وتكنس السجادة من النمل كل يوم حتى انتهى الأسبوع، وذهبت للبيت الجديد.

أنظر للطريقين معًا، وأمشي فيهما معًا، وأسمع صوتها صارخًا في البرية: "هل من أحد هنا؟"   

الخميس، أكتوبر 15، 2026

مائة نظرة ونظرة - 9


"لا يستطيع الإنسان أن يرغب في شيء من تلقاء نفسه: "إنه يحتاج إلى طرف ثالث يدله على موضوع رغبته."

هكذا تبدأ مقدمة كتاب (الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية) لرينيه جيرار، لأكمل القراءة بفضول، ثم يصحب الانزعاج الفضول عند الوصول لفكرة أن الأصالة إدعاء في أغلبها، وأنها كذبة رومانسية في أحسن الأحوال مفادها: أنه إنسان حر، ورغباته أصيلة نابعة من داخله. 

أي أننا مدّعون مقلدون في الأغلب. منذ قرأتها وأصبحت تطاردني، أتحقق منها، أعاملها بمنطق النظرية، أختبرها، أفندها، أسائلها كل ما رأيت نموذجًا قد تفسره.

ما زلتُ أشعر أن هناك ما ينبغي اكتشافه، والبحث عنه في هذا الأمر. وهذه الرغبة العميقة في معرفة أصل كل شيء..أين تضعها يا سيد جيرار؟

***

 كلما رغبت في شيء هذه الفترة- توقفت وسألت: أهذا ما ترغبينه حقًا؟ من تقلدين.؟
وأتذكر "وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (131)" - سورة طه، وأرددها لنفسي حتى تتهذب، خصوصًا مع من يملك في هذه اللحظة إمكانيات أظنها لدي، وشيئًا أتمناه، أتذكر أني مددت عيني فضاق صدري، وأني لم أسع وأجتهد كفاية لأحول بعض الأمنيات لواقع. فتعتدل بوصلتي، وأحمد ربي على ما أعطاني، وأعمل بحماس، أو أعرض وأنا راضية.

هذا النقص فينا هو ما يدفعنا للحركة، ولولا اختلاف درجات الحرارة ما حدثت الرياح والأعاصير.

*** 

شعوري بالرغبة في عمل شيء، أو الوصول لمكان هو علامة صحية على الحياة. أعرف هذا الآن، وأحسه. فبعد فترة مظلمة كانت أمنيتي المريحة هي الموت. أحمد الله على ما أمهلني وما شغلني به بحيث أخرج من هذه الظلمة. 

الجمعة، أكتوبر 09، 2026

مائة نظرة ونظرة - 8

 


مرض التصلب المتعدد MS هو مرض مناعي، يهاجم فيه الجسم أجزاء من الجهاز العصبي المركزي (المخ والنخاع الشوكي) فيتسبب في تآكل غلاف الميلين الذي حول أعصاب جسدك كلها، فتتسرب الكهرباء التي تنتقل عبرالأعصاب، لتشعر بها مباشرة في أماكن في جسمك، أو يتسبب في خلل وظيفي تتحكم فيه المنطقة المصابة في مخك أو نخاعك الشوكي، فيمكن أن تُصاب بهجمة تُفقدك البصر في احدى العينين (لأنها أصابت العصب البصري)، أو تفقدك التحكم في أحد أطرافك، وغير ذلك.

يتشابه المصابون بهذا المرض في بعض الأعراض، ويختلفون في بعضها، لكن مجموع أعراض كل مصاب تجعل مرضه يبدو فريدًا. يفقد بعضهم التحكم في حركتهم تدريجيًا دون هجمات، بينما يتقلب آخرون بين أيام هادئة، وأيام صاخبة العنف تصيبهم فيها هجمات المرض الذي يأكل في هجمته حاسة ما، أو قدرة جسدية ما..وفي المنتصف أيام فيها قدرمحتمل أو غير محتمل من الكهرباء وما يشبه الإغماءات.

لا علاج ناجع لهذا المرض حتى الآن، هو مرض تتعايش مع كالسكري من النوع الأول مثلًا. فتضل مراقبًا طيلة الوقت لنمط حياتك تضبطه ليكون صحيًا في طعامك ومزاج، وحذرًا من التعرض للحرارة الشديدة. 

ما تتناوله من دواء يوميًا عبارة عن مجموعة من الفيتامينات، ومثبطات المناعة (لأن المفارقة هنا إن قويت مناعتك قويت هجماتها على جسمك)، ومن فترة لأخرى قد تخضع لجرعات كيماوية تغنيك عن الإبر كل يوم.

***

استوعبت هذه المعلومات تدريجيًا عبر عشر سنوات، رأيت آثارها على ثلاثة أفراد على الأقل منهما اثنان ضمن دائرتي القريبة، لذا عايشتها بطريقة مختلفة. ورغم أن المرء ليس بوسعه سوى الدعم والانتباه، والرعاية التي يستطيع حسب دوره وقربه، فإني لا يسعني إلا أن ألاحظ من حول هذا المريض، متى يكفي الحب ومتى لا يكفي، ومتى لا يوجد أصلًا.

في مثل هذه الحالات غير المتوقعة من العجز، قد يدفعك الواجب كأن تكون أبًا/أمًّا/ابنًا/ابنة/أخًا/ أختًا للمساعدة: توفير الغذاء والدواء، ومتابعة مواعيد الأطباء والتحاليل الطبية، والذهاب لمواعيد العلاج الطبيعي..إلى جانب مراعاة الجانب النفسي. أليس المرض -أيّا كان- فرصة لإثبات الحب وتحويله لأفعال حقيقية تترجم مشاعر العطف والرعاية، والخوف على المحبوب والمحافظة عليه؟ وفوق كل شيء أليس المرض نافذة لدخول الرحمة؟

مع طول مدة الابتلاء، والضغط المستمر يصبح الأمر كله اختبارًا حقيقيًا لقوة النفس، واتساع القلب، وقوة التحمل. من يُصاب بهذا المرض يجب أن يحذر من ارتفاع درجة الحرارة كما يحذر من ارتفاع توتره، أو ازدياد ضغطه النفسي، لأن نتائج التعرض لهذا ملموس وفوري أحيانًا.

*** 

تقول سارة شاهين: في يقيني أن الحب هو الانتباه والفحص والدراسة.


رأيتُ أسرة تتناوب على حراسة النوافذ والأبواب ليلًا ونهارًا؛ لأن ابنتهم المبتلاة وسط هجمة لذلك المرض، وإحساسها بالكهرباء في كامل جسمها لأيام، وصلت لقناعة أن الله سيغفر لها إن قتلت نفسها.

وامرأة يدفعها زوجها على كرسيها المتحرك بنفاد صبر وعجلة، يفعل كل ما يتطلبه دوره كزوج في توفير ما تحتاج إليه، لكنه توقف عن النظر إليها، والاستماع لها، ألغت كل جلسات العلاج الطبيعي فترة طويلة كيلا تثقل عليه، وكيلا يدفعها دون أن يسمعها ويراها.
تراقب رجلها تموت، وتراقب الحب يختفي.

 يميل المرء للبحث عن شيء/شخص يلومه أو يصب عليه خلاصة مشاعره السيئة ربما يستطيع بعدها أن يرتاح من ثقلها، لذا فقد كرهت جفاء هذا الزوج، وجفاف محبته، ثم ساءلتُ نفسي. ما أدراني أنا التي لا أعيش يوميًا مع هذه المرأة وهذه الصعوبات عن أي شيء؟

لا  أعرف كيف عاشت زوجة أيوب مع مرضه، وكيف صبرت؟ 

عرفت كيف صبر أيوب -عليه السلام-، لكن هل عرفت الصبر نفسه؟

الخميس، أكتوبر 08، 2026

مائة نظرة ونظرة - 7

أريد الحديث عن الفراغ والجفاء!

أما الفراغ فهو كلمة تشير إلى المسافة بين شيئين، وهو ضد الامتلاء.

صغارًا  تعلمنا أن الهوايات مكانها وقت الفراغ -أي الفراغ من الشغل بالمهام الضرورية للحياة أو التي يقتضيها دورنا في الحياة-. كما تعلمنا من العارفين بالله كيف تستغل كل فراغ في ذكر الله وتسبيحه، تبدأ بذلك ككل فعل تريده قاصدًا منتبهًا، ثم مع التكرار يصيرعادةً لا تنتبه أنك تفعلها. 

والفراغ احدى نعمتين مغبون فيهما كثير من الناس، أي مخدوع فيهما، وغافل عن قدرهما كثير من الناس-وأنا منهم، لعلي أتدارك ذلك-. 

لفت نظري كيف يستغل إيكو كل فراغ في وقته ليكتب، وهو الباحث والأستاذ الجامعي في علم السيميائيات، والذي كتب أول رواية له في الخمسين من عمره

يقول إيكو: "ثمة كثير من الفراغ بين الذرّة والأخرى، وبين الإلكترون والآخر، لو استطعنا أن نقلّص مادة الكون بإلغاء الفراغات كافة التي تفصل بين الأجرام، لبدا الكون كلّه في حجم كرة. حياتنا أيضاً مليئة بتلك الفراغات. حين أعوم في المسبح تأتيني أفكار كثيرة، خصوصاً حين أعوم في البحر، بينما لا تأتيني أفكار كثيرة في مغطس الحمّام مثلاً لضيق المساحة."

لاحظت تأثير السباحة هذا، كما تأثير المشي لمسافات طويلة.. هذا المجهود المنتظم الذي تسير فيه طويلا في براح ما، ينظم الأفكار، ويعطي عقلك المساحة اللازمة للبيان.   

*** 

في الناحية الأخرى يرى (رينيه جيرار) الإنسان كائنًا مفتقدًا لهوية ذاتية ثابتة تحدد رغباته؛ إنه "فراغ وجودي" يبحث عن الامتلاء عبر تقليد رغبات الآخرين. أي أنه يُفرّق بين الحاجات الفطرية للإنسان (أول درجة سفلى من درجات مثلث ماسلو تقريبا)، وبين الرغبات (وهو بقية هرم ماسلو أو كل ما له علاقة برغبات الإنسان وسط مجموعة).


 فبمجرد تلبية الاحتياجات البيولوجية الأساسية، والدخول في العالم الإنساني والثقافي، تختفي الأصالة تماماً -حسب جيرار-. وتصبح كل رغبة نفسية (السعي وراء المجد، السلطة، الحب الرومانسي، الأناقة، التميز) هي رغبة محاكاتية بالضرورة.

وعليه فهو يفرّق بين الاحتياج والرغبة، ويرى الرغبة محاكاة لها ثلاثة أطراف: الراغب Subject، والمرغوب فيه (موضوع الرغبة)Object ، والنموذج أو الوسيط (الشخص الذي يملك/يفعل ما ترغب فيه) Mediator. 

وإن كنا في مجتمع يرغب بعضه فيما لدى البعض الآخر، ويتنافسون في هذا، فالعنف نتيجة طبيعة لهذه الرغبات، ومن فترة لأخرى يمكن تصريف هذا العنف في أُضحية أو كبش فداء. وبشكل ما يرى جيرار أن هذه هي فكرة (التضحية) التي قدمتها الأديان، أي توجيه العنف المنتشر بين المتنافسين نحو هدف آمن.

 يفسر جيرار مشاعر الكره، والحسد، والغيرة باستخدام هذا المثلث. 
 
وفي مثلث الرغبة هذا تحدد المسافة بين الراغب والوسيط شكل العلاقة بينهما. المسافة هنا يمكن أن تكون مادية أو معنوية، يعني هل يشعر الراغب أن الوسيط ند ويمكن أن يكون مكانه، أم مختلف تماما وبعيد عن حياته تماما.
إن رأى الراغب المسافة بينه وبين الوسيط قريبة ظهر التنافس والعنف، وإن رآها بعيدة كانت علاقته بالوسيط علاقة المريد بالشيخ، أو استلهم منه موضوع الرغبة/ما يرغب أن يكونه أو يصل إليه.
 
أجد هذه النظرية ملهمة ومهمة، واستخدم بعض الساسة ورجال الأعمال الكبار ما تقدمه هذه الفكرة في بناء "نماذج محاكاة" أو التسويق لنماذج معينة تحفز رغبتك في الاحتذاء بها وتقليدها، بغية زيادة الأرباح، أو كوسيلة سيطرة على السوق. 
 
مازلت في بداية تعرفي على هذه النظرية، ولدي فضول عن تطبيقاتها، لذا يبدو أني قد أعود للحديث عنها لاحقًا.
*** 

وبعد الفراغ كمعنى، والفراغ الوجودي، هناك فراغ القلب كما في "فأصبح فؤاد أم موسى فارغًا"، والتي فُسِّرَت بأن القلب أصبح خاليًا من الهموم ومشاغل الدنيا، إلا عن التفكير في موسى، أو هو كما ذهاب اللبّ أي ذهاب العقل من شدة الجزع والدهش!

ولقد رأيت هذا بعيني هاتين مرات محدودة أدعو ألا تتكرر، آخرها هذا الأسبوع حيث احتاج طفل صديقتي لأن تُنقذ حياته بفتح جمجمته، بلا مقدمات طويلة.

هذا عن الفراغ، أما الجفاء - يا رعاك الله- فأمر آخر فيه مسافات، وانفصال، وانعزال بين اثنين ما الحب ثالثهما!  

الاثنين، سبتمبر 28، 2026

مائة نظرة ونظرة - 6

متاهة بورخيس في البندقية

 حديقة "متاهة بورخيس" صممها المعماري الإنجليزي راندولف كوت 

 

لا أذكر أول نص قرأته لبورخيس. لكني أذكر أني فُتنت به جدًا. إنسان يفيض عذوبة وامتنانًا للنعم. قرأت محاضرته عن العمى مؤخرًا، وتذكرت، وتجدد حبي لأدبه.
أعتقد أن أول مرة قرأت له قصة ضمن قصص لكتاب أمريكا اللاتينية، ومن بعدها صار كل كتاب يحوي اسمه لا بد أن يُقتنى، ويُلتَهم.
 
نصوصه بوابات عوالم لا تنتهي. يكتب الشعر ويحاضر فيه، ويؤكد أن تعريفه صعب، إلا أنه يرى أهمية الغموض والجمال، والتجربة لا الصنعة أو التلاعب بالكلمات دون داعٍ، بل ما يهم أن تستطيع مشاركة الدهشة والمتعة مع القاريء.
 
وبورخيس موسوعي يحيلك لكثير من الأعمال العظيمة، ويدخلك متاهات الكون الفسيح، وكلما اتضح لك جزء من الحصة، تجد نفسك في قصة أخرى.
تأثره واضح بألف ليلة وليلة، وبعض الأدبيات الصوفية مثل (منطق الطير) للعطار. وروحه المرحة المبدعة تجعلك تتقبل المقالب الأدبية التي يوقعك فيها بصدر رحب.
يكتب مراجعات نقدية، وبحوث أكاديمية، ومقالات موسوعية عن كتب، وأشخاص، بل وحضارات كاملة اخترعها اختراعًا، لكنها مكتوبة بطريقة محبوكة خدعت حتى أصدقاءه وبعض القراء في البحث عن تلك الكتب المُتخيلة. 
 
لا يمكنك أن تنسى "الدنو من المعتصم"..يخبرك في الهامش  "المعتصم هو ثامن الخلفاء العباسيين، الذي انتصر في ثماني معارك، وأنجب ثمانية ذكور، وثماني إناث، وحكم ثمانية أعوام..." فتصدق على المعلومة التاريخية، ثم يجرك في القصة لعالم آخر محتمل. 
 
ولا يمكنك نسيان قصة "الألف"، أو بالطبع "حديقة المسارات المتشعبة"، والمتاهات.
أو كيف يستخدم مجاز قصة "برج بابل" اللاهوتية، حيث تشتت الألسن وتعددت اللغات، ليكتب قصة مثل "مكتبة بابل" حيث  "الكون (الذي يسميه الآخرون المكتبة) يتألف من عدد غير محدد، وربما لانهائي، من الحجرات السداسية الزوايا" ويصف لك التيه الذي يقع فيه البشر وسط هذا العدد المهول من الحروب والتراكيب باحثين عن سطر واحد مفهوم. 

أو خذ قصة كـ"يانصيب بابل" الذي لا يسعك إلا أن تتذكرها عندما تشاهد مسلسلًا مثل Severance  
***
Jorge Luis Borges
خورخي لويي بورخيس
 
هذه الفترة ووسط كل شيء أنتزع سويعات أقرأ فيها (اسم الوردة) لإمبرتو إيكو-كاتب محبوب آخر-، والتي هي تحية محبة طويلة لبورخيس، وللغة، وللعلامات والإشارات (السيميائيات كما يقولون)، وللقرون الوسطى. 
 
أكتب ملاحظات على الكتاب، وخارج الكتاب، وأحمد الله أني أعود للقراءة بشغف كما كنت في طفولتي والشباب.
ربما لم أجد بعد صيغة ترضيني فيما أكتب. ولكني عازمة على الاستمرار. ربما سأكسب حُسن التعبير مع الاستمرار، وربما أكسب الأُنس بالكتب والكُتّاب.

الأحد، سبتمبر 20، 2026

مائة نظرة ونظرة - 5

 اشتقت للشعر، قراءة وكتابة.

لم أكتب في حياتي شعرًا -أو ما يقترب من الشعر- إلا في أيام كنت مشحونة فيها عاطفيًا. كأنها طريقتي لتصريف هذا الانفعال الجارف، أو تلك الحيرة العظيمة تجاه أمر ما. 

لم أفلت فترة من اعتبار أن الشعر أصله الشعر الموزون المُقفى. لكني أول ما كتبت كان يبدو كشعر التفعيلة، ربما موزونًا مسجوعًا، ثم صرت أهتم للموسيقى الظاهرة للكلمات معًا.

لم أتعمق في علم العَرُوض، ولا في قراءة الشعر الجاهلي مثلًا. ظل هذا هو معيار الشاعر الجاد الخفي في نفسي، لكني لم أطبقه أبدًا. 

ظللت أفزع للشعر كلما ضاق صدري ولم ينطلق لساني، لذا فما كتبته متفاوت في جودته بين ما يبدو مرمزًا للغاية، وما هو صورة وجدانية واضحة. 

ثم علمت أن الشعر هو "لحظة شعورية/وجدانية مكثفة"، وأنه صورة كلامية، لها موسيقاها الداخلية. يستطيع الشاعر أن يتحكم في شكل عرض كلمات قصيدته، وشكل الأسطر، كما يتحكم في الوقفات عند القراءة المسموعة. 

يصعب تعريف الشعر، لكن يسهل تمييزه وإن اختبأ وسط غيره من أنواع الأدب والفنون.

***


لسنوات طوال احتفظت بعمل طويل لشاعر اسمه (روبرتو خواروث) بعنوان "الشعر هويتي". صحبني في أماكن كثيرة، وقرأتها مرارًا..وكتبت مقطعًا له في ورقة ووضعته في محفظتي:

هناك لحظة

نتحرر فيها من سيرتنا

فنهجر هذا الظل المثبط للعزيمة

هذا التصنع الذي هو الماضي

يجب ألا يستخدم المرء بعد 

صيغة الذات البائسة هذه

ولا محاولة متابعة انتصاراته

ولا النواح في المفارق


هجران السيرة

وتجاهل التواريخ الخاصة 

يعني تخفيف حمل السفر

او كمثل تعليق اطار فارغ على الحائط

حتى لا يتعب أي منظر من الثبات فيه

 

كانت تثير خيالي، وأسلو بها وأنا تحت ضغط الدراسة، ثم رحلة البحث عن عمل بعد الجامعة. وكانت تذكرني ببورخيس، وأنا أحب بورخيس وما يمثله: القاريء الموسوعي، أمين مكتبة العالم، الذي عندما فقد بصره لم يفقد بصيرته.

لذا وبعيدًا عن شعر الحكمة، والمعري، والمتنبي وغيرهم ممن لا تبلى كلامتهم بمرور الزمن ..كنت أذهب لشعره. 

وهو عجيب  لم يعنون دواوينه، بل كان ينشرها كلها تحت اسم (شعر)، ويكتب المقاطع مفصولة بأرقام. كأنها موسيقى. والموسيقى هو فن استخدام الزمن.