| فيلهلم بيدرسن أول من رسم لهذه القصة |
يحكي أن امبراطورًا أحب الملابس الفاخرة، وصله خبر أن خياطين ماهرين جابت شهرتهما البلاد يصممان ملابس فاخرة لا يراها إلا كل ذكي.
ولأنه امبراطور ذكي، فقد استدعاهما، ووكل إليهما مهمة إلباسه في الاحتفال القادم، وقد ألبساه ما لم يره أحد من قبل.
جاء يوم الحفل، وخرج الامبراطور في أبهته متبخترًا. عم الصمت، فأكد له ذلك أن هيبته اليوم هيبتين.
شق الصمت صوت طفل: "الملك لا يرتدي شيئاً!"
***
هذه حكاية (ملابس الامبراطور الجديدة) احدى الحكايات الخيالية التي كتبها هانز كريستيان أندرسن، وتستخدم كمجاز لمن ينكر الوقائع التي يراها بعينيه لأسباب ما.
الأسباب الواضحة في القصة لفعلة كهذه هي الخوف من أن تُنعت بالغباء، أو أن تصير مُسخة، أو الاتفاق الجمعي على أن "إنكار الوقائع" هو طريق السلامة.
***
ماذا لو كان هذا الصمت تجاه ملابس الامبراطور الجديدة نتيجة خوف حقيقي من عنف حقيقي. ماذا سيحدث للطفل إن لم يتجاوز الامبراطور عن قوله بما يرى؟ -وهي في النهاية مجرد تعبير بالكلام عن واقعة وفقط-
هذه الفترة التي أرى بعيني كيف لا يتحمل النظام مجرد تدقيق في الأخبار عن الوقائع. أصبحت الكتابة احدى أساليب دعم الوقائع، مقابل كل هذه الفيضانات من المعلومات المزيفة والمنقوصة والمشوهة لكل شيء. لعل الأصوات التي تعلو (أن الامبراطور عار) تزيد، فتهزم هذا الصمت، وكل هذا الطغيان.
***
ربما بالفعل لا يكتب إلا واحد من اثنين: له هدف، أو رغبة دافعة قوية ككسب مال، أو المجد والأثر، أوالشهرة. والآخر من تدفعه الكتابة نفسها (ثمارها، وتطوير الفكرة، والتواصل) للكتابة -ولعلني ضمن هذا الآخر-.
لست مناضلة ولا بطلة بأي شكل، ولا أريد التعرض لعنف، وتضييق. وأتساءل كل مرة هل يمكن للمرء أن يكتب بحرية مع اتساع قوائم الممنوعات لتضم بديهيات اتفق عليها الناس منذ زمن.
هل يمكن أن أكتب كتابة صادقة وحقيقية، إن لم أتحر الصدق فيما أكتب، وأستطيع أصلا أن أكتب ما أريد؟
ثم أنتبه بعد تفكير لضيق المنظور الذي حبستُ الكتابة فيه، فالإبداع ليس طيلة الوقت ابن وقت الدعة والراحة، بل هو في كل وقت، والحاجة أم الاختراع، ولربما كُتبت قيل كل ما كان ممنوعًا على لسان الحيوانات في الحكايات، وبين ثنايا النكات والكوميديا.
***
ما معنى أن تخرج المديرة العامة للصليب الأحمر لتؤكد فقط أن "تعذيب الأطفال جريمة" كأننا نعيد اختراع العجلة؟
قالت إننا نعيش في زمن حرب، ولا بد أن نفهم ونؤكد على أهمية أن تظل "قوانين الحرب" حاضرة ومُحترمة، لأن كل اتفاقيات "حقوق الإنسان" كُتبت وصممت أصلا لمثل هذه الأوقات. وأنها تؤكد المؤكد فقط لأننا أصبحنا نرى القادة يصرحون في كل مكان: "أن قوانين الحرب القديمة لم تعد صالحة".
أشعر بعبثية كل ما يُقال، وبقلق مما يجري. ووقت سماعي لمثل هذه الخطابات لم أشعر أن فعلا كالذي فعلته قد يؤثر -ربما ظننتُ أن شخصية مثلها في منصب مهم يمكنها أن تفعل أكثر من التأكيد بالكلام-.
ووقت القلق تبدوالأقوال كأنها غير كافية، ولا بد من أفعال كبيرة، وتبدو فكرة "تأثير الفراشة" مجرد رومانسية لا مكان لها في الواقع، لكني كلما ابتعدت وهدأت وتذكرت وجدت الحياة كلها تفاصيل متناهية الصغر، وما علينا إلا السعي، والعمل بقدر طاقتنا ومعارفنا ومكاننا(والقول نوع من العمل في مكانه).
وأذكرُ.."لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طَلِق".




