الخميس، سبتمبر 10، 2026

إعلان موت سديم

 أعتقد أني سأغلق هذه المدونة التي بلغ عمرها واحدًا وعشرين عامًا. 

فكرت في نهايات درامية للمدونة في أوقات درامية في حياتي. كإعلان لموت سديم مثلًا، أو قصصًا تخص ذكرياتي وانطلاقاتي هنا.

 

أعتقد أني في بداياتي، وقبل أن أعرف الكثير ممن عرفت بعد ذلك، كنت متحررة من التبرير لنفسي، والدفاع عن مظهري ومخبري. 

كنتُ حرة أقول ما أريد أن أقوله وكفى. ثم جاء عام 2011 وتبنيتُ مبدأ "اعملي في صمت"، "تعلمي واهضمي تجربتك ثم اكتبي"، فلم أكتب إلا لمامًا عندما يفيض بي، ويضيق صدري، ولا ينطلق لساني. فآتي هنا لأزفر زفرات وأقول كلمتين وأنطلق في حياتي.

 

ثم بعد 2013 انتقلت لبلد أخرى، ومدينة أخرى بلا معارف أو اجتماعيات. بدأت حياة جديدة مختلفة، اشتقت للكتابة فيها، لكني لم أجرؤ عليها، وظللتُ أشغل نفسي بتعلم كل ما ظننتُ أنه سيعينني على فهم العالم وماحدث ويحدث فيه. 

 خبرتُ الكثير، وجمعتني الأيام بأناس جدد، ثم فرقتنا كعادتها. وحدثت كورونا 2020 والعزل والفزع العالمي، ثم جاء العام الذي يليه 2021 الذي فقدت صديقتي وأسرتها في حادث جلل أمام عيني. لم يحدث الموت حالا بل أسابيع أقمنا فيها في مدينة لا نعرفها، وفردًا يتلوه آخر يموت ونبحث كيف ندفنه، ومن من أهله سيأتي في ظل استمرار إجراءات العزل ومنع السفر.  

لم أمر وحدي بهذا الحادث الجلل، بل مر به بيتي كله.

مواجهة الموت، فزعى من انتصاف ثلاثينياتي ولم أفعل شيئًا ذا بال، وعدم وجود عمل منتظم لعام وأكثر تقريبا، لجأت لتجديد معارفي ومهاراتي، فأخذت ورشًا في الترجمة الطبية والتدقيق وغيرها، وكان أغرب ما أخذت هو دورة في كتابة المحتوى Blogging، وهو ما كنت أفعله أصلا منذ مابدأ التدوين وقبلها في المنتديات، وبينها في مجلات مطبوعة أو منشورة على النت. 

كان لدي فضول لأعلم كيف سيتحول التدوين/كتابة المحتوى لحرفة تدّر مالًا. لأجد أن الأمر متعلق بكيف يظهر مقالك المتخصص في نتائج بحث google  تحديدًا، لتكتب في موضوع معين مكررًا عنوانه المحدد، وكلماته الرئيسية بشكل معين، تجمعها قواعد الـSEO، لنصبح كلنا عاملين في كجهات إعلانية، حتى المعلومة تُصاغ لتبيع بها منتجًا أو خدمة.


ليس عيبًا..هذا عصرنا، وهذه أدواته. ولن أعيش في دور شهيدة الفن للفن، ومخلصة الروح البشرية من المصالح الرخيصة.

لكني بعد أن أرضيتُ فضولي، لم أجد من يقبلني لأطبق له هذه الألاعيب الظريفة، ويعطيني مالًا مقابلها.

 

أردت اختبار نفسي فيما اعتدت الاستمتاع به، وهو الكتابة، فدخلت ورشًا لأضع نفسي في جو يلزمني بالكتابة، وأتعلم شيئًا أو شيئين. لأجد نفسي في مواجهة ما لم يُحلّ من قبل، وليتأكد لي عمليًا أن التعلم بدون تطبيق هو نوع من الهروب الآمن. 

وهذا يصلح في كل شيء: في الكتابة، في الحب، في العمل. كل مشكلة لم تتجازوها تشكلك بالضبط كتلك التي تواجهها، وعليك التعامل مع تبعاتها. ما العمل إذن؟

 قيل لي في الكتابة مثلا: الحل أن تكتبي كل يوم، وتسجلي أفكارك في نوتة، ثم تطورينها. 

لم أكتب كل يوم، لأسباب عدة، أولها أني مشتتة، ولأني كلما فزعت ألجأ للتعلم وإغراق نفسي في البحث والتدقيق. 

أغرق عقلي بالقراءة والمشاهدة والاستماع حتى لا توجد لحظة غير مستغلة في يومي تقريبا. بعد فترة تعبت ولم يفلح مسعاي في تهدئة خوفي.
 

إذن فأنا مشتتة لأني خائفة من أني لن أكتب شيئًا جيدًا، ولن أعبر تعبيرا مناسبا عما أريد قوله.

وكما اتفقنا: الشجاعة هي أن تفعل مع الخوف، ورغم الخوف. 

 

فلنبدأ. لأكتب باسمي كما هو (سارة عبدالناصر)، لا باسم مستعار، ولا باسم مختصر، ولا من وراء حجاب. الفناء يطاردنا، والساعة تدق، ولن ينفعنا أن نتحدث مع المستحيل طيلة الوقت في رأسنا، أو نحاول للمرة الألف أن نكون أصدقاء مع من لا يريدون أن يكونوا أصدقائنا.

 

أكتب لأن لدي ما أقول، ويوجد من يريد الإنصات. ولأني أريد أن أرى ماذا سيحدث إن انتظمت. 

ماذا سيحدث إن كتبت بجدية لمدة 100 يوم مثلا؟ وكتبت ملاحظاتي هنا كل فترة (بالإذن من سديم طبعًا).

سأكتب بجدية في ورق ما، وسأكتب هنا الأشياء العجيبة التي لا تهم أحدًا مثل أني شاهدت أخيرًا فيلم المومياء مكتملًا  واستمتعت به، وأني أشاهد فيلم المواطن كين، وأعيد اكتشاف ستيفان زفايج، وأن حكاية راحيل عجيبة، وأن المرء يمكن إن استغرق في القراءة أن يُحرّف الحكايات وتصبح حكايته، وأنه بعد كل هذه السنين من القراءة والمشاهدات يكتشف المرء الأنماط الكلية شيئًا فشيئًا، وقد يتجرأ ويقول كما قال بورخيس في مقالته Four cycles أن الحكايات البشرية كلها تقع في أربع أنماط/حبكات.

 آه..ماذا تفعل الوحدة في الناس غير تحويلهم كتابًا أو قتلة متسلسلين؟

 

تساؤل الحلقة: 

ماذا يفيد المرء أن يتابع عدّاد قراءه؟ ألا يكفيه أن يخرج ما برأسه؟

علمت أن أرقام عدّاد الأرقام لم يعد دلالة على القراء من البشر، لأن الروبوتات الصغيرة أو شيئًا ما تابعا للذكاء الصناعي ربما يزور المدونات ضمن ما يزور ليتعلم. 
 

السبت، أغسطس 29، 2026

رسالة قديمة إلى بول أوستر

أعارتني صديقتي روايتك (ثلاثية نيويورك) فسافرت بها مرتين من وإلى مصر، وأخيرًا انتهيت من قراءتها بالعربية والاستماع إليها بالانجليزية. وفي كل الأحوال تتسرب حكاياتك كالهواء بينما أقرأها وتقرأني. أبطالك الذائبين في المدينة التي تلتهم سكانها الحالمين، أتوه في تفاصيل ما تكتب، وأنسى ما قرأت، فأختبر نفسي لأتأكد من سير الأحداث. لا أعرف إن كان أسلوبك هو السبب، أم تشابك الأحداث، والاستطرادات المطولة -التي أحبها-، أم فقط المرحلة التي أمر بها.

***

 تقابلنا على الحافَّة كشخصين حالمين. حافة المدينة، وحافة الواقع، وحافة الخيال، وحافة القصة، وحافة الشعر، وحافة ما في التصوير والسينما أيضًا.

تقابلنا كشخصين لم يريدا أن يتقابلا، كشخصين في وقت تحول عميق ما في حياتهما. وأوقات كهذه لا يميزها المرء غالبًا ويسميها إلا بعد أن يتجاوزها. 

قابلتك ولم أقابلك. والجملتان صحيحتان. وكلما هِمْتُ في طريقٍ، وتذكرتُ ما حدث، تعجبت: أكان حلمًا طويلًا؟ أكان خيالًا؟ لماذا لا تبدو الأسئلة صحيحة؟ ولا يبدو أن الواقع والخيال لهما حدود واضحة؟

نعم. كما خمنت، قد أخرج من الحديث معك إلى الحديث معه فكلاكما ساكنين خياليين في عالمي، أثرتما فيه.

وما المانع؟ أليست هذه احدى وظائف الكتابة؟ أن تبني جسرًا مفهومية بين ما يضطرب في صدورنا من أفكار ومشاعر هائمة، وبين الواقع الحي المليء بكل ما عرفنا، وما سنعرف ومالم نستوعبه بعد. بين ما قد نستوعبه، ونراه قبيحًا جدًا لدرجة نتمنى ألا نتذكره، وبين تلك اللحظات الثمينة المضيئة وسط الظلمة، ذرات الذهب وسط أطنان من ذرات التراب.

*** 

اكتشفت (كيرت فونيجيت) العام الماضي تقريبًا، وأحببت كتابته جدًا. أسلوبه ساخر، خفيف الظل، يسمون نوع كتابته Satire، وبغض النظر- ربما شدني له بشكل شخصي تعامله مع كرب ما بعد صدمة شهوده للحرب بكتابته، وتفاعله مع الأحداث الثقيلة الجِسَام بخفة تلسعك وتخفف عنك بالضحك، فتجعلك لا تغرق في بحيرة ضحلة من الحزن أو الألم، بل هي جزء من الثانية يمكن أن تشعر بألم ثم يغوص داخلك لتسمح لدماغك بالتفكير والتأمل. وهذا ينم عن شخصية ذكية فريدة.

 فكرته عن الزمن في روايته (المسلخ رقم 5) تشبه فكرتنا عن القدر والمكتوب. كل الأحداث التي تمر في حياتك مكتوبة سلفًا، ولو أنك كائن متسامٍ/فضائي/ترالفامادوريان (من كوكب ترالفامادور الذي تصوره فونيجيت في روايته- حيث يرون أن كل اللحظات ماضيها، وحاضرها ومستقبلها موجودة، وستظل موجودة) أي مكتوبة (بتعبيرنا). تحول لفيلم بالطبع

فكرته عن الإنسان أنه أقبح الكائنات وأجملها. سأحدثك عنه يومًا بتفصيل. 

حُوِّلَت قصصه ورواياته إلى أفلام، وظهر في فيلم Back to school الذي اُقتبِسَ لاحقًا في النسخة المصرية (مرجان أحمد مرجان).

***

مرّ عام آخر بعد تعرفي على فونيجيت، وصار كل ما عرفته من ثلاث سنوات يبدو بعيدًا جدًا كأنه مرّ من ثلاثة عشر سنة، أو ثلاثين. وفي لحظات نادرة خاطفة تعود كأنها الآن. 

فماذا يفعل الإنسان في غابة الحياة التي لا تأبه بمسمياته لما حوله؟

يقول هذه حقيقة وهذا خيال، يقول هذا ماضٍ وهذا حاضر، يقول هذا حب وهذه شهوة، يقول هذا جوع وهذا جشع، هذا نقص وهذا ورع…


يقول ما يقول، والحياة تواصل الحركة، والغابة لا تأبه له.

الثلاثاء، يونيو 16، 2026

الحرية

 عمري ثلاثة عشر، أحب أن أبدو جميلة. ولا أُفضَّل الفساتين الخضراء. قالت أمي: لن أرضى عنك إن لم ترتدي فستانًا أخضر.

ارتديته وخرجت للعالم. 

 

عمري ستة عشر، رأيت أن أشكال الفساتين كثيرة جدًا، وأنه يمكنني لبس الأخضر والأصفر والأحمر. الفستان الأخضر هو ما يحوز رضى أمي. واجهتها: توجد فساتين أخرى غير الأخضر. يمكنني أن أتقرب إليكِ وإلى الله بفستان غير الأخضر. 

بكت، وبكيتُ. كسبت الحضن ولحظة الرضا، وخسرت كل فستان يخالف الأخضر.

عمري واحد وعشرون، جلطة سدت وريدًا عميقا، بِتُّ في المشفى أيامًا طويلة؛ لئلا تصعد الجلطة للرئة فأموت. بين الآلام غمرتني ماما بحنانها. 

سألني الطبيب: ما يحزنك؟ لم أجبه. خجلت من أسبابي كلها. الحمدلله أنَّ لدي فستانًا أخضر أصلا. غيري يهيمون بلا فساتين.

أخبرتني صديقة: هذه فرصتك، تعللي بأن الأمر يضغط عليكي، والضغط والحزن يكونان الجلطات.

لم أستطع. من أنا لأُحزنها بهذا الشكل؟

 

عمري أربعون، فجأة أنفجر في وجه أمي في الهاتف: "من حقي ارتداء أي لون على فكرة!".

أخرج للعالم بفستان أخضر. 

الخميس، يونيو 11، 2026

آخر الأشباح

في الليل

أُطفأ آخر الأنوار 

وأنصتُ:

لتنفس النائمين

هدير الثلاجة 

همهمة الماء في عروق البيت

ومن بعيد جدا 

                  صدى اسمك هائمًا

يقرعُ الأبواب

              كشَبَحٍ ينشد الخلاص

                     يبحث عن باب أخير 

                                        يُنسى خلفه للأبد

الثلاثاء، يونيو 09، 2026

عزيزتي غلا 2

أبكي للأسباب الخاطئة هذه الأيام. 

مثلا أبكي لأني لست ذكية ولمَّاحة كما اعتدت/اعتقدت. تفاجأني صعوبة اللغة الجديدة، وبطئي في تحصيلها، وإصراري مع ذلك على أن أحاول ثانية. أدفع من مالي القليل ما يزيد عن نصفه كل شهر لأفعل هذا. 

كما "أتوتر" جدًا إذا لم تفهم ابنتي المفاهيم البسيطة بسرعة. أو شعرت أنها ليست "ذكية" بالقدر الكافي. أشعر برعب بدائي، كأنها لن تنجو في هذه الحياة إن لم تكن ذكية و"بسرعة"!

 مؤخرًا تفاجأت من رد فعلي المبالغ فيه تجاه الغباء. ليس مجرد كره، ربما نفور، أو...خوف. 

ربما لو نبشت في ذاكرتي لوجدت أسبابًا وجيهة لمثل هذه الحالة. وربما كان المبرر ببساطة التجارب وما استنتجته منها، وموقعي من العالم. لم أجد شيئًا يجعلك "مُعتَبَرًا"، "جذَّابًا"، "مهمًا" مثل أن تكون ذكيًا. 

قد يهبك الله ذكاءً فطريًا من نوع ما: ذكاء لغوي/منطقي/حركي/عاطفي/حسي/اجتماعي، يجعل تحصيلك في هذا الجانب من نفسك أسرع من غيرك. وقد تزودك التجارب بأنواع من القلق الذي يقرصك من أذنك أو قلبك أو أي مكان حساس يوجعك، حتى لا تكرر ما آلمك.

أشعر أن أخطاءي الفادحة تعود في أغلبها للغباء، أني لم أنتبه لما هو واضح جدًا، ومكرر، ومعروف (لا لا لا! ليس لأني أسلخ نفسي بمعايير في منتهى المثالية ولا حاجة). الغباء أن تتعلم شيئًا، وتسلك سلوكًا عكس ما تعلمت. 

نكرر دومًا أن التعلم غير الإدراك. لكننا نغفل عن المسافة بينهما، وعن مستويات الإدراك نفسه.

كل ما نتعلمه بالملاحظة والاستنتاج وبالتلقين، تثبته التجربة وتنفيه، أو تُثبت فيه أشياءً، وتنفي أخرى. 

ليس التجربة وحدها التي تثبت ما نتعلمه، بل كل شيء نقرأه ونسمعه ونحسه ونتفاعل معه، بالإضافة لحالة أجسادنا كل يوم، والبيئة التي نعيش فيها، والناس الذين نخالطهم يوميًا، ومن نختار أن ننمي علاقتنا بهم، وأولئك الذين لا نختار أيضًا.

 ***

اعتقدت لوقت طويل أني ذكية لتفوقي الدراسي، ولأني أحسنت التصرف وأنا طفلة، وأغلب الوقت أثناء الشباب. ربما استمر شعوري بالاطمئنان لذكاءي لأني أفهم أشياء أسرع من غيري ممن أخالطهم، أو أرى روابط وأنماطًا بين أمور تبدو ظاهريا شديدة التباعد.


ثم واجهتُ الواقع والتجارب _وأنا في منتصف العمر المفترض للآدميين الآن، لي رصيد معتبر من التجارب يمكنني العودة إليه-. 

ما وجدته من هذه المواجهة، أني متوسطة في كل المهارات تقريبا، وفوق المتوسط في مهارات قليلة، وأن ما يحافظ على اتقاد ذكاء المرء في أمر هو عنايته به باستمرار.

 وأن السهولة التي حصلّت بها المعلومات وأنا صغيرة، وإن كانت هبة منَّ الله علي بها، كما منَّ بها على آخرين، فإن لها توابع لم أنتبه لها الانتباه الكافي. مثل قلة الصبر على الجهد المطلوب لتفعل أي شيء بإتقان أو إحسان. 

الثقة التي يمنحها لك الذكاء، والاحتفاء والمكانة المميزة التي قد يمنحها كونك من الصفوة في فصلك الدراسي، أو الفخر بك من والديك/معلمينك/أصدقاءك/معارفك، قد تستنج بشكل ما أنها حق مُكتسب، أمر مفروغ منه. لكن الحياة تفاجئك بأمور كثيرة جدًا كبيرة عليك، وصعبة الفهم والتنفيذ، وإن نظرت حولك تجد آخرين ينفذونها ويفهمونها بسهولة بالغة. فتشعر أن المشكلة فيك وفي غباءك.

كلما زادت تجاربك الجديدة، والمواضيع الجديدة التي تقرأها، والأماكن الجديدة التي تزورها كلما تفتحت مداركك أكثر، واتسعت رؤيتك. 
وبقدر ما يفيدك كل جديد، يفيدك التوقف ومراجعة الماضي بنظرة جديدة. يفيدك الصمت كما يفيدك الكلام. يفيدك السكون كما تفيدك الحركة. والحكمة أن تعرف متى تفعل ماذا.  

 

الأحد، فبراير 22، 2026

عزيزتي غلا

عزيزتي..لعلك بخير 

تعرفين أني فتحت هذه المدونة ثانية بسبب رسالتك، وأجمل الرسائل التي تأتي على غير انتظار.
ظننتُ أنني أغلقها لأكتب بجدية أكثر مواضيع متماسكة، وليست مجرد خواطر. وأن المدونات لم تعد الطريقة المثلى للنشر. كما عاودتني تلك الرغبة المتكررة في الاختفاء عن العالمين. 

أرسلتِ لي تسألين عن أحوالي، وتفتقدين كتاباتي، فأعدت التفكير، ورأيتُ أنه لا ضيرَ أن تكون المدونة أرشيفًا للحظاتٍ أحب العودة إليها.

احتجتُ من فترة أن أعود لما كتبت قبلًا، ولم أجد ما أبحث عنه على الورق أو في جهازي الحالي. وذاكرتي من ماء، تنحت الصخر الصلب الذي تمر عليه، وتترك أثرها بعدما تجف، لكنها تتحرك باستمرار. 

وفكرتُ: ربما تصلُحُ المدونة أن تكونَ متكأً لعابر سبيل. هنا ظلّ وماء، وأثر لعبورٍ فانٍ، قد تجد فيها ما يؤنسك أو يسليك في هذا العالم الشاسع. 

**

تسأليني عن حالي. أنظر في حالي فأجدني أفعل كل شيء ولا أهرع للكتابة، رغم أني أعرف أنها مهمة جدًا لي، لكني لا أفسح لها المجال وسط مشغولياتي. 

هذا هو الشهر التاسع من انتظامي في الرياضة -والحمدلله-، أريد أن أتم عامًا لأتأكد أنه صار جزءًا من حياتي. لم ينخفض وزني كما رغبت، وجزء منه لأني لا أجيد وزن كل طعام يدخل فمي ليطابق الحسابات الرياضية الافتراضية. 

إذا فعلت ذلك بانتظام تنخفض شهيتي حتى أني أفضل ألا آكل أو أثور على كل هذا وآكل بلا زِنَة. سأمت هذه الطريقة، وأعرف ماذا علي ّ أن أفعل، لكني لن أضغط على نفسي الآن. سأستمر، وسأجد طريقة تقنعني وتريحني حتى أصل للصيغة الأصح مع الطعام -والحمدلله على تعدد الطرق الصحيحة-.

لكني ألحظ بين فترة وأخرى ما تغير فيّ: زيادة قدرتي على التحمل، وسرعة الاستشفاء. 

عرفتُ هذا بالتجربة، فمثلا أكرمني الله بصعود نصف المسافة في جبل النور، وكنت قد صعدت ثلثه فقط من قبل -هانت :) المرة القادمة نصل للقمة إن شاء الله-.

تمر عليّ لحظات خانقة من فترة لأخرى. بعض آثارٍ لتعلق ما، أو مطاردة ذهنية مستنزفة لما لا ينفع، بعض القلق على أني لن أنجز شيئًا، شكّ في أهمية حياتي كلها أصلا، ضيق بسبب قلة الصبر، وضعف الإيمان. تتبعها لحظات رحمة وانكشاف ترى عيني فيها النعم التي أسبح فيها. 

مررتُ بلحظة قوية غمرني هذا الاحساس باليقظة والانتباه لما أملك، كنتُ أمشي على قدميّ، وأحدهما تؤلمني بشدة، لكني أمشي وأجوب الأرض دون مساعدة من أحد.
آكل وأشرب، وأسمع وأرى. وأنامُ وأصحو، أتعلم وأحب التعلم، وأعمل ما أحب وما لا أحب. أرعى بيتي، ورعيتي، عندي قوت يومي وأيام أخرى. 

كنتُ عائدة من لقاء صباحي مع صديقة، أفطرنا وتمشينا في الشوارع، وتبادلنا حديثًا طويًلا. 

إن لم يكن هذا هو الغِنى، فما الذي يكون؟

*** 

 

أخبرتكِ أيضًا بصدور نص لي وسط مجموعة نصوص في كتاب نُشر الشهر الماضي تحت اسم (الفصل الحادي والثلاثون)، هو باكورة إنتاج ورش للكتابة الإبداعية غير التخييلية -وهي وصف للكتابة التي تتناول الواقع بطريقة إبداعية- يديرها مينا ناجي. 

شعوري مختلط. قاومت النشر كثيرًا. الكتابة عن موضوع "الحب" هو أمر شائك إن كان المطلوب أن تتكلم عن تجاربك، ومفهومك له، وهو أصلًا دومًا متعلق بآخرين.
ثم إننا عند الكتابة عنه قد ننحبس في مضيق يتناول انجذابنا/عشقنا/حبنا للجنس الآخر، ولا نتحدث عن الحب بمفهومه الواسع. لا أذكر إن كان هذا مقصودًا عندما طُلِب منا ذلك في الورشة، أم أننا جميعًا اتفقنا أن هذه هو الاتجاه الذي نريد تناوله عند الحديث عن الحب.

عندما رجحت قرار النشر أخيرًا، كان الهدف أن أُقدِم على ما أخاف منه بالضبط.  

ليس النشر نفسه هو ما أخافه، بل تبعاته لأن الكتابة ذاتية جدًا من ناحية، وبالتالي كاشفة. ومن ناحية أخرى كُتب هذا النص في فترة مضطربة من حياتي، والكتابة الجدية (التي تبدأ بمسودة تطورها على مدار شهر، وتعدلها لمدة شهور بعد ذلك حتى تستنفد طاقتك فيه) جاءت بعد انقطاع دام لعشر سنوات مثلا. 

كما أن كواليس كتابته، والقراءات، والتجارب، والمرحلة التي كنت فيها، جعلت النظر لصلاحيته للنشر بعد عامين من كتابته أمرًا صعبًا. 

تغيرتُ عن وقت كتابته، وتغيرت نظرتي لما سميته "حبًّا"، وهذا من أسبابي لعدم نشره عندما عُرِضَ عليّ الأمر.

ما مررت به أثناء وبعد الكتابة من الغضب والفقد والتألم فترة لا بأس بها، ثم الاستسلام والندم والمراجعة، ثم رؤية أخرى للأمور، ربما أوضح وأنضج. فلربما نشرت النص كإيماءة لهذه الفترة وهذه التجربة، وفضولًا لكيفية تلقي الآخرين له. 

أيضا أعتقد أن النص ضعيف تقنيًا، ومليء بالتقريرية -حسب آراء بعض الخبراء- لكن لا بأس.

 ***
للحديث بقية. كوني بخير 
 

الاثنين، يناير 19، 2026

عزيزي بول أوستر 2

يُقال أنه لا يمكنك عبور النهر مرتين. فإنك إن دخلت قدماك ماء النهر، تغير عالمك لما قبل دخولك النهر، وبعده. وهكذا كل خبرة جديدة في حياتك.
والكلمات التي تقولها في لحظة انكشاف/ضعف/افتراس لا يمكنك أن تمحوها. يمكنك أن تتمنى فقط لو تنمحي بفعل فوقي متجاوز.
 
والتجارب التي مررت بها، قد يضيق بها صدرك، ولا ينطلق لسانك. ربما لأنه ما إن ينطلق اللسان فعليك أن تُسلم بكل الاحتمالات السخيفة: أن تُختصر في الحكاية التي ذكرتها، وبالترتيب الذي قلته في وصفها، وأن تسلم كل هذا الحكي لأذن لم تعش ما عشته ولم تفهم ما تفهمه.
 
أن ترضى بأن تُفهم جزئيًا -وتاخد بالباقي لبان*-، أو يُسخَر منك/تُستصغَر/ يُستخَفُّ بك/ يُحكَم عليك.
أن ترضى باحتمالات نجاح وفشل هذا التواصل/ التبادل الإنساني. 
أن تُوضع في مكانة ليست لك، ويُتوقع منك ما لا تقدر عليه، أو ما لا يصدر منك.
 
أريد أن أقول أننا أكثر من مجرد مواقفنا أو أقوالنا، لكن مواقفنا وأقوالنا تعني شيئًا وقت حدوثها، أو تلتقط أوتشير أو تعبر عن شيء ما وقت حدوثها. 
والحياة حركة مستمرة، لذا ما دمنا أحياء، فنحن في حالة الحركة والتغير هذه مهما بدا غير ذلك. وتعلقنا بالأنماط والتعميم والمعاني إنما هو طريقتنا في رسم خريطة واضحة للعالم الذي نتحرك فيه، وللأشخاص الذي نقابلهم في غابة الحياة. 
 
***

خريطة حياتي لم تكتمل بعد، لكن معالمها تتضح أكثر كل يوم.
أستجمع هِمَّتي، وعزيمتي لأنجز ما أعرف في نفسي أني أستطيع الوصول إليه.  لذا سأبدأ في إرسال هذه الرسالة لك، رغم عدم اكتمالها، ورغم أني لم أخبرك بالكثير جدًا مما أريد إخبارك به. 
 
حان وقت نومي الآن. غدًا يوم جديد، وخطوات سترسم خطًا يانعًا في خريطتي. 
 
 
 
 
 
 
 
 
--------
* عندما لا يملك البقّال في مصر فكة أو عملات صغيرة يكمل لك بها الباقي من حسابك، قد يعطيك لبانًا أو حلوى.