اشتقت للشعر، قراءة وكتابة.
لم أكتب في حياتي شعرًا -أو ما يقترب من الشعر- إلا في أيام كنت مشحونة فيها عاطفيًا. كأنها طريقتي لتصريف هذا الانفعال الجارف، أو تلك الحيرة العظيمة تجاه أمر ما.
لم أفلت فترة من اعتبار أن الشعر أصله الشعر الموزون المُقفى. لكني أول ما كتبت كان يبدو كشعر التفعيلة، ربما موزونًا مسجوعًا، ثم صرت أهتم للموسيقى الظاهرة للكلمات معًا.
لم أتعمق في علم العَرُوض، ولا في قراءة الشعر الجاهلي مثلًا. ظل هذا هو معيار الشاعر الجاد الخفي في نفسي، لكني لم أطبقه أبدًا.
ظللت أفزع للشعر كلما ضاق صدري ولم ينطلق لساني، لذا فما كتبته متفاوت في جودته بين ما يبدو مرمزًا للغاية، وما هو صورة وجدانية واضحة.
ثم علمت أن الشعر هو "لحظة شعورية/وجدانية مكثفة"، وأنه صورة كلامية، لها موسيقاها الداخلية. يستطيع الشاعر أن يتحكم في شكل عرض كلمات قصيدته، وشكل الأسطر، كما يتحكم في الوقفات عند القراءة المسموعة.
يصعب تعريف الشعر، لكن يسهل تمييزه وإن اختبأ وسط غيره من أنواع الأدب والفنون.
***
لسنوات طوال احتفظت بعمل طويل لشاعر اسمه (روبرتو خواروث) بعنوان "الشعر هويتي". صحبني في أماكن كثيرة، وقرأتها مرارًا..وكتبت مقطعًا له في ورقة ووضعته في محفظتي:
هناك لحظة
نتحرر فيها من سيرتنا
فنهجر هذا الظل المثبط للعزيمة
هذا التصنع الذي هو الماضي
يجب ألا يستخدم المرء بعد
صيغة الذات البائسة هذه
ولا محاولة متابعة انتصاراته
ولا النواح في المفارق
هجران السيرة
وتجاهل التواريخ الخاصة
يعني تخفيف حمل السفر
او كمثل تعليق اطار فارغ على الحائط
حتى لا يتعب أي منظر من الثبات فيه
كانت تثير خيالي، وأسلو بها وأنا تحت ضغط الدراسة، ثم رحلة البحث عن عمل بعد الجامعة. وكانت تذكرني ببورخيس، وأنا أحب بورخيس وما يمثله: القاريء الموسوعي، أمين مكتبة العالم، الذي عندما فقد بصره لم يفقد بصيرته.
لذا وبعيدًا عن شعر الحكمة، والمعري، والمتنبي وغيرهم ممن لا تبلى كلامتهم بمرور الزمن ..كنت أذهب لشعره.
وهو عجيب لم يعنون دواوينه، بل كان ينشرها كلها تحت اسم (شعر)، ويكتب المقاطع مفصولة بأرقام. كأنها موسيقى. والموسيقى هو فن استخدام الزمن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق