![]() |
حديقة "متاهة بورخيس" صممها المعماري الإنجليزي راندولف كوت
|
لا أذكر أول نص قرأته لبورخيس. لكني أذكر أني فُتنت به جدًا. إنسان يفيض عذوبة وامتنانًا للنعم. قرأت محاضرته عن العمى مؤخرًا، وتذكرت، وتجدد حبي لأدبه.
أعتقد أن أول مرة قرأت له قصة ضمن قصص لكتاب أمريكا اللاتينية، ومن بعدها صار كل كتاب يحوي اسمه لا بد أن يُقتنى، ويُلتَهم.
نصوصه بوابات عوالم لا تنتهي. يكتب الشعر ويحاضر فيه، ويؤكد أن تعريفه صعب، إلا أنه يرى أهمية الغموض والجمال، والتجربة لا الصنعة أو التلاعب بالكلمات دون داعٍ، بل ما يهم أن تستطيع مشاركة الدهشة والمتعة مع القاريء.
وبورخيس موسوعي يحيلك لكثير من الأعمال العظيمة، ويدخلك متاهات الكون الفسيح، وكلما اتضح لك جزء من الحصة، تجد نفسك في قصة أخرى.
تأثره واضح بألف ليلة وليلة، وبعض الأدبيات الصوفية مثل (منطق الطير) للعطار. وروحه المرحة المبدعة تجعلك تتقبل المقالب الأدبية التي يوقعك فيها بصدر رحب.
يكتب مراجعات نقدية، وبحوث أكاديمية، ومقالات موسوعية عن كتب، وأشخاص، بل وحضارات كاملة اخترعها اختراعًا، لكنها مكتوبة بطريقة محبوكة خدعت حتى أصدقاءه وبعض القراء في البحث عن تلك الكتب المُتخيلة.
لا يمكنك أن تنسى "الدنو من المعتصم"..يخبرك في الهامش "المعتصم هو ثامن الخلفاء العباسيين، الذي انتصر في ثماني معارك، وأنجب ثمانية ذكور، وثماني إناث، وحكم ثمانية أعوام..." فتصدق على المعلومة التاريخية، ثم يجرك في القصة لعالم آخر محتمل.
ولا يمكنك نسيان قصة "الألف"، أو بالطبع "حديقة المسارات المتشعبة"، والمتاهات.
أو كيف يستخدم مجاز قصة "برج بابل" اللاهوتية، حيث تشتت الألسن وتعددت اللغات، ليكتب قصة مثل "مكتبة بابل" حيث "الكون (الذي يسميه الآخرون المكتبة) يتألف من عدد غير محدد، وربما لانهائي، من الحجرات السداسية الزوايا" ويصف لك التيه الذي يقع فيه البشر وسط هذا العدد المهول من الحروب والتراكيب باحثين عن سطر واحد مفهوم.
أو خذ قصة كـ"يانصيب بابل" الذي لا يسعك إلا أن تتذكرها عندما تشاهد مسلسلًا مثل Severance
***
![]() |
| خورخي لويي بورخيس |
هذه الفترة ووسط كل شيء أنتزع سويعات أقرأ فيها (اسم الوردة) لإمبرتو إيكو-كاتب محبوب آخر-، والتي هي تحية محبة طويلة لبورخيس، وللغة، وللعلامات والإشارات (السيميائيات كما يقولون)، وللقرون الوسطى.
أكتب ملاحظات على الكتاب، وخارج الكتاب، وأحمد الله أني أعود للقراءة بشغف كما كنت في طفولتي والشباب.
ربما لم أجد بعد صيغة ترضيني فيما أكتب. ولكني عازمة على الاستمرار. ربما سأكسب حُسن التعبير مع الاستمرار، وربما أكسب الأُنس بالكتب والكُتّاب.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق